باب الحاء والميم وما يثلثهما
باب الحاء والميم وما يثلثهما
(حمد) الحاء والميم والدال كلمةٌ واحدة وأصلٌ واحد يدلّ على خلاف الذمّ.
يقال حَمِدْتُ فلاناً أحْمَدُه.
ورجل محمود ومحمّد، إذا كثُرت خصاله المحمودة غيرُ المذمومة.
قال الأعشى يمدح النعمان بن المنذر،
ويقال إنه فضّله بكلمته هذه على سائر مَن مدحه يومئذ:
إليك أبيتَ اللّعنَ كانَ كَلاَلُها
***
إلى الماجد الفَرْعِ الجَوادِ المُحَمَّدِ ولهذا [الذي] ذكرناه سمِّي نبينا مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم.
ويقول العرب:
حُمَاداك أن تفعلَ كذا، أي غايتُك وفعلُك المحمودُ منك غيرُ المذموم.
ويقال أحمَدْتُ فلاناً، إذا وجدتَه محموداً، كما يقال أبخلْتُه إذا وجدتَه بخيلا، وأعجزته [إذا وجدتَه] عاجزاً.
وهذا قياسٌ مطّردٌ في سائر الصفات.
وأهْيَجْت المكانَ، إذا وجدتَه هائجاً قد يبِس نباتُه.
قال:
* وأهْيَج الخَلْصاءَ من ذات البُرَقْ * فإنْ سأل سائلٌ عن قولهم في صوت التهاب النار الحَمدَة؛ قيل له:
هذا ليس من الباب؛ لأنه من المقلوب وأصله حَدَمة.
وقد ذكرت في موضعها.
(حمر) الحاء والميم والراء أصلٌ واحدٌ عندي، وهو من الذي يعرف بالحُمْرة.
وقد يجوز أن يُجعَل أصلين:
أحدهما هذا، والآخر جنسٌ من الدوابّ.
فالأوّل الحُمْرة في الألوان، وهي معروفة.
والعرب *تقول:
"الحسن أحمر" يقال ذلك لأنّ النفوسَ كلَّها لا تكاد تكره الحمرة.
وتقول رجل أحمر، وأحامر فإن أردت اللونَ قلت حُمر.
وحجّة الأحامرة قول الأعشى:
إنّ الأحامرةَ الثلاثة أهلكَتْ
***
مالي وكنت بهنّ قِدْما مُولَعا ذهب بالأحامرة مذهب الأسماء، ولم يَذهب بها مذهبَ الصفات.
ولو ذهب بها مذهب الصفات لقال حُمْرٌ.
والحمراء:
العَجَم، سُمُّوا بذلك لأنّ الشّقْرة أغلبُ الألوان عليهم.
ومن ذلك قولهم لعليّ رضي الله عنه:
"غلبَتْنا عليك هذه الحمراء".
ويقال موتٌ أحمرُ، وذلك إذا وُصِف بالشدّة.
وقال عليّ:
"كُنّا إذا احمرّ البأسُ اتقّينا بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أَحَدٌ منا أقربَ إلى العَدُوّ منه".
ومن الباب قولهم:
وَطْأةٌ حمراء؛ وذلك إذا كانتْ جديدة؛ ووَطْأة دهماء، إذا كانت قديمةً دارسة.
ويقال سنةٌ حمراء شديدة، ولذلك يقال لشدة القيْظ حَمَارَّة.
وإنَّما قيل هذا لأنّ أعجبَ الألوان إليهم الحمرة.
إذا كان كذا وبالغُوا في وصفِ شيءٍ ذكروه بالحُمْرة، أو بلفظةٍ تشبه الحمرة.
فأمّا قولُهم للذي لا سلاحَ معه أحمر، فممكن [أن يكون] ذلك تشبيهاً لـه بالعجم، وليست فيهم شجاعة مذكورة كشجاعة العرب.
وقال:
* وتَشْقَى الرّماحُ بالضَّياطرةِ الحُمْرِ * الضياطرة:
جمع ضَيْطار، وهو الجبان العظيم الخَلْق الذي لا يُحسن حملَ السِّلاح.
قال:
تعرَّضَ ضَيطارُو فُعالةَ دونَنا
***
وما خَيْرُ ضَيطارٍ يقلِّب مِسطَحا وقولهم غيث حِمِرٌّ، إذا كان شديداً يقشِر الأرض.
وهو من هذا الذي ذكرناه من باب المبالغة.
وأمّا الأصل الثاني فالحِمار معروف، يقال حمار وحَمير وحُمُر وحُمُرات، كما يقال صعيد وصُعُد وصُعُدات.
قال:
إذا غَرّد المُكَّاء في غير روضةٍ
***
فويلٌ لأهل الشَّاء والحُمُراتِ يقول:
إذا أجدبَ الزّمانُ ولم تكن روضة فغرَّد في غير روضةٍ، فويلٌ لأهل الشاء والحمرات.
وممّا يحمل على هذا الباب قولُهم لدويْبّة:
حِمارُ قَبَّانٍَ.
قال:
يا عجبَا لقد رأيتُ عجَبَا
***
حمارَ قَبَّانٍَ يسوقُ أرنبا ومنه الحِمار، وهو شيءٌ يُجعَل حول الحوض لئلا يسيل ماؤُه، والجمع حمائر.
قال الشاعر:
ومُبْلِد بين مَوْمَاةٍ بمَهْلُِكَةٍ
***
جاوزتُه بِعَلاةِ الخَلْق عِلْيَانِ كأنَّما الشَّحْطُ في أعلى حمائرِه
***
سَبائبُ الرَّيْط مِن قزٍّ وكَتَّانِ وأما قولهم للفرَس الهجينِ مِحْمَرٌ فهو من الباب.
[ومن الباب] الحِماران، وهما حجَران يجفَّف عليهما الأقِط، يسمَّيان مع الذي فوقهما العلاة.
قال:
لا تنفع الشاوِيّ فيهما شاتُه
***
ولا حِمارَاه ولا عَلاَتُه والحمارة:
حجارة تنصب حولَ البيت، والجمع حمائِر.
قال:
* بَيْتَ حُتوفٍ أُرْدِحَتْ حمائرُه * وأما قولهم:
"أخلَى من حوفِ حمارٍ" فقد ذُكر حديثه في كتاب حرف العين.
(حمز) الحاء والميم والزاء أصلٌ واحد، وهو حدَّة في الشيء كالحَرافة وما أشبهها.
فالحَمْزَة حَرافَة في الشيء.
يقال شرابٌ يحمِزُ اللسانَ.
ومنه الحَمْزة، وهي بقلةٌ تَحْمِز اللسان، وقال أنس بن مالك:
"كنّاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببقلةٍ كنت اجتنيتُها"؛ وكان يكنّى با حمزة.
وقال الشماخ يصف رجلاً باع [قوساً] وأسِفَ عليها:
فلما شَرَاها فاضَتِ العَين عَبْرَةً
***
وفي القلب حَُزَّازٌ من اللّوم حامِزُ فأما قولهم للذكّي القلبِ اللوذعيِّ حَمِيز، وهو حَميز الفؤاد، فهو من الباب؛ لأن ذلك من الذكاء والحدّة، والقياس فيه واحد.
(حمس) الحاء والميم والسين أصلٌ واحد يدلُّ على الشدَّة.
فالأحمس:
الشّجاع.
والحَمَس والحماسة:
الشجاعة والشِّدَّة.
ورجلٌ حَمِسٌ.
قال:
* ومِثْلي لُزَّ بالحَمِسِ الرَّئيسِ * ويقال:
"بالحَمِس البئيس".
ويقال تحمَّس الرجُل:
تعاصَى.
والحُمْس قريش؛ لأنهم كانوا يتحمَّسون في دينهم، أي يتشدَّدون.
وقال بعضهم:
الحُمْسة الحُرْمة، وإنما سُموا حُمْساً لنزولهم بالحرَم.
ويقال عام أحْمَسُ، إذا كان شديداً.
وأَرَضُونَ أحامسُ:
شديدةٌ.
وزعم ناسٌ أنّ الحَميس التَّنُّور.
وقال آخرون:
هو بالشين معجمة.
وأيَّ ذلك كانَ فهو صحيحٌ؛ لأنه إن كان من السين فهو من الذي ذكرناه ويكون من شدة التهاب نارِه؛ وإن كان بالشين فهو من أحمشتُ النارَ والحربَ.
(حمش) الحاء والميم والشين أصلان:
أحدهما التهاب الشيء وهَيْجه، والثاني الدِّقّة.
فالأول قولهم:
أحمشتُ الرَّجُل:
أغضبتُه.
واستحمش الرجلُ، إذا اتّقَدَ غضباً.
قال:
* إني إذا حَمَّشَني تحميشي * ومن الباب حَمَشْت الشيء:
جمعتُه.
والأصل الثاني قولهم للدقيق القوائم حَمْش، وقد حَمَُشَتْ قوائمُه.
ومن الباب قولهم:
لِثَةٌ حَمْشةٌ:
قليلة اللّحم.
(حمص) الحاء والميم والصاد ليس أصلاً يقاس عليه، وما فيه قياسٌ ويجوز أن يكون مِن جفافٍ في الشيء.
ويقولون:
انْحَمَصَ الوَرَم، إذا سَكَنَ.
هذا أصحَّ ما فيه.
والحَمَصِيصُ:
بقلةٌ.
(حمض) الحاء والميم والضاد أصل واحدٌ صحيح، وهو شيءٌ من الطعوم.
يقال شيءٌ حامض وفيه حُموضة.
والحَمْض من النَّبْت ما كانت فيه ملوحة.
والْخُلّة ما سوى ذلك.
والعرب تقول:
الْخُلّة خبز الإبل والحَمْض فاكهتُها.
وإنما تَحَوَّلُ إلى الحَمْض إذا مَلّت الخُلّة.
وكلُّ هذا من النّبت.
وليس شيءٌ من الشجر العظام بحَمْضٍ ولا خُلّة.
(حمط) الحاء والميم والطاء ليس أصلاً ولا فرعاً، ولا فيه لغةً صحيحة، إلا شيءٌ من النبت أو الشجر.
يقال لجنسٍ من الحيَّات شيطان الحَمَاطِ.
من المحمول عليه قولُهم:
أصبْتُ حَماطةَ قلبِه، أي سواد قلبه، كما يقولون حبَّة قلبه، والحماطة، فيما يقال:
وجَعٌ في الحلْق.
وليس بذلك الصحيح.
فإنْ صحَّ فهو محمولٌ على نبتٍ لعلَّ له طعماً حامزاً.
فأما قولهم الحَمَطيط والحِمْطاط، فالأوَّل نبت، والثاني دودٌ يكون في العُشب منقوشٌ بألوان، فمما لا معنى لذكرِه.
(حمق) الحاء والميم والقاف أصلٌ واحدٌ يدلُّ على كَساد الشيء.
والضّعفِ والنُّقصان.
فالحُمْق:
نقصان العقل.
والعرب تقول:
انحمق الثوبُ.
إذا بَلِي.
وانحمقت السُّوق:
كسدت.
(حمل) الحاء والميم واللام أصلٌ واحدٌ يدلُّ على إقلال الشيء.
يقال حَملْتُ الشيء أحمِلُه حَمْلاً.
والحَمْل:
ما كان في بطنٍ أو على رأس شجرٍ.
يقال امرأةٌ حامل وحاملة.
فمن قال حامل قال هذا نعت لا يكون إلا للإناث.
ومن قال حاملة بناه على حَمَلَتْ فهي حاملة.
قال:
تَمَخَّضَتِ المَنونُ لـه بيومٍ
***
أنَى ولكلِّ حامِلةٍ تِمامُ والحِمْل:
ما كان على ظهرٍ أو رأسٍ.
والحَمَالة:
أن يحمل الرجلُ ديةً ثم يسعى عليها، والضَّمانُ حَمَالة، والمعنى واحد، وهو قياسُ الباب.
ومما هو مضافٌ إلى هذا المعنى المرأة المُحْمِل، وهي التي تنزِل لبنَها من غير حَبَل.
يقال أحْمَلَت تُحْمِل إحْمالا.
ويقال ذلك للناقة أيضاً.
والحُمُول:
الهوادج، كان فيها نساءٌ أو لم يكن.
وتحامَلْتُ، إذا تكلَّفْتَ الشيءَ على مشقّةٍ.
وقال ابن السكيت في قول الأعشى:
لا أعرفنّك إنْ جدَّت عداوتُنا
***
والتُمِس النصرُ منكم عِوض تُحتَمَلُ إنَّ الاحتمال الغضب.
قال:
ويقال احْتُمِل، إذا غَضِب.
وهذا قياسٌ صحيح، لأنهم يقولون:
احتملَه الغضب، وأقلّه الغضب، وذلك* إذا أزعجه.
والحِمالة والمِحْمل عِلاقة السَّيف.
ومنه قول امرئ القيس:
* حتى بلّ دمعِيَ مِحْملي * والحَمُولة:
الإبل تُحمَل عليها الأثقال، كان عليها ثِقْل أو لم يكن.
والحَمولة:
الإبل بأثقالها، والأثقالُ أنفُسها حَمُولة.
ويقال أحمَلْتُ فلاناً، إذا أعنْتَه على الحمل.
وحَمِيل السَّيل:
ما يَحمله من غُثائه.
وفي الحديث:
"يخرج من النار قومٌ فيَنْبتون كما تنبت الحِبَّة في حميل السّيل".
فالحَميل:
ما حمله السّيلُ من غُثاء.
ولذلك يقال للدّعِيّ حَميل.
قال الكميت يعاتب قُضاعة في تحوُّلهم إلى اليمين:
عَلامَ نَزلتمُ من غير فَقرٍ
***
ولا ضَرَّاءَ منزلة الحَميلِ فأمّا قولهم الأحمال- وهم من بني يَربوع، وهم ثعلبة وعمرو والحارث أبو سَلِيط وصُبَيْر- فيقال إنّ أمَّهم حملتهم على ظهرٍ في بعض أيّام الفَزَع، فسُمُّوا الأحمال.
وإيّاهم أرادَ جريرٌ بقوله:
أبَنِي قُفَيرةَ مَن يُوَرِّع وِرْدَنا
***
أم مَن يقومُ لِشدّةِ الأحمالِ
ويقال أدَلّ عليَّ فحمَلتُ إدلاله واحتَملتُ إدلالَه، بمعنىً.
وقال:
أدلّتْ فلم أحمِلْ وقالت فلم أُجِبْ
***
لعَمْرُ أبيها إنّني لظَلُومُ والقياس مطّردٌ في جميع ما ذكرناه.
فأمّا البَرَقُ فيقال له حَمَلٌ، وهو مشتقٌّ من الحَمْل، كأنّه يقال حَمَلَتِ الشاةُ حَمْلاً، والمحمول حَمْل وحَمَلٌ كما يقال نفَضتُ الشيء نَفْضاً والمنفوض نَفَض، وحسَبت الشيء حَسْباً.
والمحسُوبُ حَسَبٌ، وهو باب مستقيم.
ثم يشبه بهذا فيقال لبُرج من بروج السماء حَمَل.
قال الهذليّ:
كالسُّحُل البِيض جلا لونَها
***
سَحُّ نِجاءِ الحَمَلَ الأَسْوَل
باب الحاء والميم وما يثلثهما
باب الحاء والميم وما يثلثهما
باب الحاء والميم وما يثلثهما