باب الحاء والراء وما يثلثهما
باب الحاء والراء وما يثلثهما
(حرز) الحاء والراء والزاء أصلٌ واحد، وهو من الحِفْظ والتَّحفظ يقال حَرَزْتُه واحترزَ هو، أي تحفَّظَ.
وناسٌ يذهبون إلى أنّ هذه الزّاءَ مبدلةٌ مِن سين، وأنَّ الأصل الحَرْس وهو وجهٌ.
وفي الكتاب الذي للخليل أنّ الحَرَزَ جَوْز محكوكٌ يُلعَب به، والجمع أحْراز.
قلنا:
وهذا شيءٌ لا يعرَّج عليه ولا مَعْنَى له.
(حرس) الحاء والراء والسين أصلان:
أحدهما الحِفْظ والآخر زمانٌ.
فالأوّل حَرَسَه يَحْرُسُه حَرْساً.
والحَرَس:
الحُرَّاس.
وأمَّا حُرِيسَة الجَبَل، التي جاءت في الحديث، فيقال هي الشاة يُدركها اللَّيل قَبْلَ أُوِيِّها إلى مأواها، فكأنها حُرِسَتْ هناك.
وقال أبو عبيدة في حريسة الجبل:
يجعلها بعضهم السَّرِقَة نفسَها؛ يقال حَرَس يَحْرِسُ حَرْساً، إذا سَرَق.
وهذا إنْ صحَّ فهو قريبٌ من الباب؛ لأنَّ السارق يرقُب الشيء كأنّه يحرُسه حتَّى يتمكَّن منه.
والأوّلُ أصحّ.
وذلك قول أهل اللغة إنّ الحريسَةَ هي المحروسة.
فيقول:
"[ليس] فيما يحرس بالجبل قَطْع" لأنّه ليس بموضع* حِرْز.
(حرش) الحاء والراء والشين أصلٌ واحدٌ يرجع إليه فروعُ الباب.
وهو الأثَر والتحزيز.
فالحَرْش الأَثَر ومنه سمِّي الرجل حراشاً.
ولذلك يسمُّون الدِّينارَ أحْرَش لأنّ فيه خشونة.
ويسمُّون الضبَّ أحْرَشَ؛ لأنَّ في جلده خشونةً وتحزيزاً.
ومن هذا الباب حَرَشْتُ [الضبّ]، وذلك أنْ تمسح جُحْرَهُ وتحرّكَ يدَكَ حتَّى يَظن أنّها حيّة فيُخْرِج ذَنبَه فتأخذَه.
وذلك المَسْح له أثَرٌ.
فهو من القياس الذي ذكرناه.
والحَرِيش:
نوعٌ من الحيات أرقَطُ.
وربَّما قالوا حيّة حَرْشاء، كما يقولون رَقْطاء
قال:
بِحَرْشاءَ مِطْحَانٍ كأنّ فحيحَها
***
إذا فَزِعَتْ ماءٌ هُرِيقَ على جمْرِ والحَرْشاء:
حَبَّة تنبُت شبيهةٌ بالخَرْدَلِ.
قال أبو النجم:
* وانْحَتَّ مِن حَرشاءِ فَلْجٍ خَرْدَلهْ * فأمّا قولُهم حَرَّشْت بينَهم، إذا أغرَيْتَ وألقيتَ العداوة، فهو من الباب؛ لأن ذلك كتحزيزٍ يقع في الصُّدور والقلوب.
ومن ذلك تسميتهم النُّقْبة، وهي أوَّل الجَرَب يَبْدُو، حَرْشاء.
يقال نُقْبةٌ حَرْشاء، وهي الباِثرَة التي لم تُطْلَ.
وأنشد:
وحَتَّى كأنِّي يتقي بي مُعَبَّدٌ
***
به نُقْبة حَرْشاءُ لم تَلْقَ طاليا فأمّا قوله:
* كما تطايَرَ مَنْدُوفُ الحراشِين * فيقال إنّه شيءٌ في القطن لا تدَيِّثُهُ المطارق، ولا يكون ذلك إلاّ لخشونةٍ فيه.
(حرص) الحاء والراء والصاد أصلان:
أحدهما الشّقّ، والآخر الجَشَع.
فالأول الحَرْصُ الشَّقُّ؛ يقال حَرَص القَصَّار الثوبَ إذا شقَّه.
والحارِصَة من الشِّجاج:
التي تشقُّ الجلد.
ومنه الحرِيصة والحارِصَةُ، وهي السحابة التي تَقْشِر وجْهَ الأرض مِن شِدّة وَقْع مطرِها.
قال:
* انهلالُ حريصَةٍ * وأمّا الجَشَع والإفراط في الرَّغْبة فيقال حَرَصَ إذا جَشَع يَحْرُِص حِرْصا، فهو حريصٌ.
قال الله تعالى:
{إنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ} [النحل 37].
ويقال حُرِصَ المَرْعَى، إذا لم يُتْرك منه شيء؛ وذلك من الباب، كأنّه قُشِر عن وجْه الأرض.
(حرض) الحاء والراء والضاد أصلان:
أحدهما نبت، والآخَر دليلُ الذَّهاب والتّلَف والهلاك والضَّعف وشِبهِ ذلك.
أمَّا الأوّل فالحُرْض الأُشنان، ومُعالِجُه الحَرّاض.
والإحْرِيض:
العُصْفُر.
قال:
* مُلْتَهِبٌ كلَهَبِ الإحْرِيضِ * والأصل الثاني:
الحَرَض، وهو المُشرِف على الهلاك.
قال الله تعالى:
{حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً} [يوسف 85].
ويقال حَرَّضْتُ فلاناً على كذا.
زعم ناسٌ أنّ هذا من الباب.
قال أبو إسحاق البصريُّ الزَّجّاج:
وذلك أنّه إذا خالف فقَدْ أفْسَد.
وقوله تعالى:
{حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ} [الأنفال 65]، لأنهم إذا خالَفُوه فقد أُهلِكوا.
وسائر الباب مقاربٌ هذا؛ لأنَّهم يقولون هو حُرْضَة، وهو الذي يُنَاوَلُ قِدَاحَ الميسر ليضرب بها.
ويقال إنّه لا يأكل اللحمَ أبداً بثَمن، إنّما يأكل ما يُعْطَى، فيُسمَّى حُرْضَةً، لأنه لا خَيرَ عنده.
ومن الباب قولُهم للذي لا يُقاتِل ولا غَنَاء عِنْدَه ولا سِلاح معَه حَرَض.
قال الطرِمّاح:
* حُمَاةً للعُزَّلِ الأحراضِ *
ويقال حَرَض الشّيءُ وأحرضَهُ غيره، إذا فَسَد وأفسَدهُ غيرُه.
وأحْرَضَ الرّجُل، إذا وُلِد له [ولَدُ] سَوء.
وربما قالوا حَرَضَ الحالبان النّاقَة، إذا احتلبا لبنَها كلَّه.
(حرف) الحاء الراء والفاء ثلاثة أصول:
حدُّ الشيء، والعُدول، وتقدير الشَّيء.
فأمّا الحدّ فحرْفُ كلِّ شيء حدُّه، كالسيف وغيره.
ومنه الحَرْف، وهو الوجْه.
تقول:
هو مِن أمرِه على حَرْفٍ واحد، أي طريقة واحدة.
قال الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهََ عَلَى حَرْفٍ} [الحج 11].
أي على وجه واحد.
وذلك أنّ العبد يجبُ عليه طاعةُ ربِّه تعالى عند السرّاء والضرّاء، فإذا أطاعَه عند السّرّاء وعَصاه عند الضرّاء فقد عَبَدَه على حرفٍ.
ألا تراه قال تعالى:
{فَإِنْ أصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج 11].
ويقال للناقةِ حَرْفٌ.
قال قوم:
هي الضامر، شبِّهت بحرف السَّيف.
وقال آخرون:
بل هي الضَّخْمة، شبِّهت بحرف الجبل، وهو جانبُه.
قال أوس:
حَرْفٌ أخُوها أبوها مِن مُهَجَّنَةٍ
***
وعَمُّها خالُها قوداءُ مِئشيرُ وقال كعب بن زهير:
حرفٌ أخوها أبوها مِن مهجَّنةٍ
***
وعَمُّها خالُها جرداءُ شِمْلِيلُ والأصل الثاني:
الانحراف عن الشَّيء.
يقال انحرَفَ عنه يَنحرِف انحرافاً.
وحرّفتُه أنا عنه، أي عدَلتُ به عنه.
ولذلك يقال مُحَارَفٌ، وذلك إذا حُورِف كَسْبُه فمِيلَ به عنه، وذلك كتحريف الكلام، وهو عَدْلُه عن جِهته.
قال الله تعالى:
{يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه} [النساء 46، المائدة 13].
والأصل الثالث:
المِحراف، حديدة يقدَّر بها الجِراحات عند العِلاج.
قال:
إذا الطَّبيب بمِحْرافَيْهِ عالَجَها
***
زادَتْ على النَّقْرِ أو تحرِيكِها ضَجَما وزعم ناسٌ أنّ المُحارَفَ من هذا، كأنّه قُدِّر عليه رزقُه كما تقدَّر الجِراحةُ بالمحْراف.
ومن هذا الباب فلان يَحْرُف لِعياله، أي يكسِب.
وأجْوَدُ مِن هذا أن يقال فيه إنّ الفاءَ مبدلةٌ من ثاء.
وهو من حَرَثِ أي كَسَبَ وجَمَعَ.
وربما قالوا أحْرَفَ فلانٌ إحرافاً، إذا نَما مالُه وَصَلُح.
وفلان حَرِيفُ فلانٍ أي مُعامِلُه.
وكل ذلك من حَرَفَ واحترف أي كسَب.
والأصلُ ما ذكرناه.
(حرق) الحاء والراء والقاف أصلان:
أحدهما حكُّ الشَّيء بالشيء مع حرارة والتهاب، وإليه يرجع فروعٌ كثيرة.
والآخَر شيءٌ من البَدَن.
فالأول قولهم حَرَقْتُ الشيءَ إذا بردْتَ وحككْتَ بعضَهُ ببعض.
والعرب تقول:
"هو يَحْرُقُ عليك الأُرَّم غَيظاً"، وذلك إذا حكَّ أسنانَه بعضَها ببعض.
والأُرَّم هي الأسنان.
قال:
نُبِّئْتُ أحْماءَ سُليمَى إنَّما
***
باتُوا غِضاباً يَحْرُقُون الأرَّمَا وقرأ ناسٌ:
{لَنَحْرُقَنَّهُ ثمَّ لِنَنْسِفَنَّه} [طه 97]، قالوا:
معناه لنبرُدنَّه بالمبارد.
والحَرَق:
النَّار.
والحَرَقُ في الثَّوب.
والحَرُوقاء هذا الذي يقال لـه الحُرَّاق.
وكلُّ ذلك قياسُه واحد.
ومن الباب قولهم للذي ينقطع شَعَْره وينسل حَرِقٌ.
قال:
* حَرِقَ المَفَارِق كالبُراءِ الأعْفَرِ * والحُرْقَانُ:
المَذَح في الفخِذين، وهو من احتكاك إحداهما بالأخرى.
ويقال فَرَسٌ حُرَاقٌ إذا كان يتحرَّق في عَدْوِه.
وسَحابٌ حَرِقٌ، إذا كان شديدَ البَرْق.
وأحْرَقَني النّاسُ بلَوْمهم:
آذَوْني.
ويقال إنّ المُحارقَةَ جِنسٌ من المباضعة.
وماء حُرَاقٌ:
مِلحٌ شديد المُلوحة.
وأمّا الأصل الآخر فالحارقة، وهي العَصب الذي يكون في الورِك.
يقال رجلٌ محروقٌ، إذا انقطعت حارِقَتُه.
قال:
* يَشُولُ بالمِحْجَنِ كالمحروقِ *
(حرك) الحاء والراء والكاف أًصلٌ واحد، فالحركة ضدُّ السكون.
ومن الباب الحارِكانِ، وهما ملتقى الكتِفَين، لأنَّهما لا يزالان يتحرَّكان.
وكذلك الحراكيك، وهي الحراقِفُ، واحدتها حَرْكَكَة.
(حرم) الحاء والراء والميم أصلٌ واحد، وهو المنْع والتشديد.
فالحرام:
ضِدُّ الحلال.
قال الله تعالى:
{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيةٍ أَهْلَكنْاَهَا} [الأنبياء 95].
وقرئت:
{وحِرْمٌ}.
وسَوْطٌ مُحرَّم، إذا لم يُلَيَّن بعدُ.
قال الأعشى:
* تُحاذِر كَفِّي والقَطيعَ المُحَرَّمَا * والقطيع:
السوط، والمحرَّم الذي لم يمرَّن ولم يليَّنْ بعدُ.
والحريم:
حريم البئرِ، وهو ما حَولَها، يحرَّم على غير صاحبها أن يحفِر فيه.
والحَرَمَانِ:
مكة والمدينة، سمِّيا بذلك لحرمتهما، وأنّه حُرِّم أن يُحدَث فيهما أو يُؤْوَى مُحْدِثٌ.
وأحْرَم الرّجُل بالحجّ، لأنه يحرُم عليه ما كان حلالاً له من الصَّيد والنساءِ وغير ذلك.
وأحرم الرّجُل:
دخل في الشهر الحرام.
قال:
قَتَلُوا ابنَ عفّانَ الخليفةَ مُحْرِماً
***
فمضى ولم أَرَ مثلَه مقتولا
ويقال المُحْرِم الذي* له ذِمَّة.
ويقال أحْرَمْتُ الرّجُلَ قَمرْتُه، كأنَّك حرمْتَه ما طمِعَ فيه منك.
وكذلك حَرِم هو يَحْرَم حَرَماً، إذا لم يَقْمُر.
والقياس واحدٌ، كأنه مُنِع ما طَمِع فيه.
وحَرَمْتُ الرّجلَ العطية حِرماناً، وأحرمْتُه، وهي لغة رديّة.
قال:
ونُبِّئْتُها أحْرَمْت قَومَها
***
لتَنْكِحَ في مَعْشرٍ آخَرِينا ومَحارِم اللَّيل:
مخاوفه التي يحرُم على الجبان أن يسلُكَها.
وأنشد ثعلب:
واللهِ لَلنَّومُ وبِيضٌ دُمَّجُ
***
أَهْوَنُ مِن لَيْلِ قِلاصٍ تَمْعَجُ مَحَارِمُ اللَّيلِ لَهُنّ بَهْرَجُ
***
حِين يَنام الوَرَعُ المزَلَّجُ
ويقال من الإحرام بالحجِّ قوم حُرُمٌ وحَرَامٌ، ورجلٌ حَرَامٌ.
ورجُلٌ حِرْمِيٌّ منسوب إلى الحَرَم.
قال النابغة:
لِصَوْتِ حِرْمِيَّةٍ قالت وقد رحلوا
***
هل في مُخِفِّيكُم من يَبتغي أَدَما والحَرِيم:
الذي حُرِّم مَسُّهُ فلا يُدْنَى منه.
وكانت العرب إذا حجُّوا ألقَوا ما عليهم من ثيابهم فلم يلبَسوها في الحرَم، ويسمَّى الثوبُ إذا حرّم لُبسه الحَريم.
قال:
كَفى حَزَناً مَرِّي عليه كأنّهُ
***
لَقىً بين أيدي الطائِفِين حريمُ
ويقال بين القوم حُرْمةٌ ومَحْرَُمة، وذلك مشتقٌّ من أنه حرامٌ إضاعتُه وترْكُ حِفظِه.
ويقال إنّ الحَرِيمةَ اسمُ ما فات من كل همٍّ مطموعٍ فيه.
ومما شذَّ الحيْرَمَة:
البقرة.
(حرن) الحاء والراء والنون أصلٌ واحد، وهو لزوم الشي للشيء لا يكادُ يفارقه.
فالحِرَان في الدّابة معروف، يقال حَرَنَ وحَرُن.
والمَحَارن من النَّحْل:
اللواتي يلصَقْن بالشَُّهد فلا يبرحْن أو يُنْزَعْنَ.
قال:
* صَوْتُ المحابِضِ يَنْزِعْن المَحَارِينا * وكذلك قول الشماخ:
فما أرْوَى ولو كَرُمَتْ علينا
***
بأدْنَى مِنْ موقَّفَةٍ حَرُونِ هي التي لا تبرح أعلَى الجبل.
ويقال حَرَنَ في البيع فلا يزيد ولا ينقُص.
(حرو/ي) الحاء والراء وما بعدها معتل.
أصول ثلاثة:
فالأوّل جنس من الحرارة، والثاني القرب والقصد، والثالث الرُّجوع.
فالأوّل الحَرْوُ.
من قولك وجَدْتُ في فمي حَرْوَة وحَرَاوةً، وهي حرارةٌ مِن شيءٍ يُؤْكل كالخردَل ونحوِه.
ومن هذا القياس حَرَاةُ النار، وهو التهابها.
ومنه الحَرَة الصَّوت والجَلَبةُ.
وأمّا القُرب والقَصْد فقولهم أنت حَرىً أنْ تفعل كذا.
ولا يثنَّى على هذا اللفظ ولا يُجمَع.
فإذا قلت حَرِيٌّ قلت حرِيّان وحريُّون وأحرياء للجماعة.
وتقول هذا الأمر مَحْراةٌ لكذا.
ومنه قولهم:
هو يتحرَّى الأمر، أي يقصِدُه.
ويقال إنَّ الحَرا مقصور:
موضع البَيْض، وهو الأفحوص.
ومنه تحرَّى بالمكان:
تلبَّثَ.
ومنه قولهم نزلتُ بِحَرَاهُ وَبِعَراه، أي بعَقْوتَه.
والثالث:
قولهم حَرَى الشّيءُ يَحرِي حَرْياً، إذا رجع ونَقَص.
وأحراه الزمانُ.
ويقال للأفعى التي كَبِرت ونقص جسمُها حاريَةٌ.
وفي الدعاء عليه يقولون:
"رماهُ الله بأفعَى حاريةٍ"، لأنها تنقُص من مرور الزمان عليها وتَحْرِي، فذلك أخبثُ.
وفي الحديث:
"لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل جسمُ أبي بكر يَحْرِي حتى لَحق به".
(حرب) الحاء والراء والباء أصولٌ ثلاثة:
أحدها السّلْب، والآخر دويْبَّة، والثالث بعضُ المجالس.
فالأوَّل:
الحَرْب، واشتقاقها من الحَرَب وهو السَّلْب.
يقال حَرَبْتُه مالَه، وقد حُرِب مالَه، أي سُلِبَه، حَرَباً.
والحريب:
المحروب.
ورجل مِحْرَابٌ:
شجاعٌ قَؤُومٌ بأمر الحرب مباشرٌ لها.
وحَريبة الرَّجُل:
مالُه الذي يعيش به، فإذا سُلِبَه لم يَقُمْ بعده.
ويقال أسَدٌ حَرِبٌ، أي من شدّة غضبِه كأنّه حُرِب شيئاً أي سُلِبه.
وكذلك الرجل الحَرِب.
وأما الدويْبَّة [فـ] الحِرباء.
يقال أرض مُحَرْبئة، إذا كثُر حِرباؤها.
وبها شبِّه الحِرْباء، وهي مسامير الدُّروع.
وكذلك حَرَابيّ المَتن، وهي لَحَماتُهُ.
والثالث:
*المحراب، وهو صدر المجلس، والجمع محاريب.
ويقولون:
المحراب الغرفةُ في قوله تعالى:
{فَخَرَجَ علَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْراب} [مريم 11].
وقال:
رَبَّةُ مِحرابٍ إذا جئتُها
***
لم ألقَها أوْ أَرتَقِي سُلَّمَا ومما شذَّ عن هذه الأصول الحُرْبة.
ذكر ابنُ دريد أنها الغِرارَة السَّوداء.
وأنشد:
وصَاحبٍ صاحبتُ غيرِ أَبْعَدا
***
تراهُ بين الحُرْبَتَينِ مَسْنَدَا
(حرت) الحاء والراء والتاء أصلٌ واحد، وهو الدَّلْك، يقال حَرَته حَرْتاً، إذا دلكه دَلْكاً شديداً.
(حرث) الحاء والراء والثاء أصلانِ متفاوتان:
أحدهما الجمع والكَسْب، والآخر أنْ يُهْزَل الشيء.
فالأوّل الحَرْث، وهو الكَسْب والجمع، وبه سمِّي الرجل حارثاً.
وفي الحديث:
"احْرُثْ لدُنْياكَ كأنَّك تعيش أبداً، واعمَلْ لآخرتِك كأنك تموت غداً".
ومن هذا الباب حرث الزَّرع.
والمرأة حرث الزَّوج؛ فهذا تشبيه، وذلك أنه مُزدَرَع ولده.
قال الله تعالى:
{نساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة 223].
والأحرِثة:
مَجارِي الأوتار في الأفواق؛ لأنّها تجمعها.
وأمّا الأصل الآخر فيقال حَرَثَ ناقتَه:
هَزَلها؛ أحرثها أيضاً.
ومن ذلك قول الأنصار لمّا قال لهم معاوية:
ما فعلَتْ نواضحُكم؟ قالوا:
أحْرثْنَاها يَوْمَ بَدْرٍ.
(حرج) الحاء والراء والجيم أصلٌ واحد، وهو معظم الباب وإليه مرجع فروعه، وذلك تجمُّع الشيء وضِيقُه.
فمنه الحَرَج جمع حَرَجة، وهي مجتمع شجرٍ.
ويقال في الجمع حَرَجات.
قال:
أَيا حَرَجاتِ الحيِّ حِينَ تحمَّلوا
***
بذي سَلَمٍ لا جادكُنَّ ربيعُ
ويقال حِراجٌ أيضاً.
قال:
* عايَنَ حيَّاً كالحراج نَعَمُهْ * ومن ذلك الحرَجَ الإثم، والحَرَج الضِّيق.
قال الله تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام 125].
ويقال حَرِجَتِ العينُ تَحرَج، أي تحارُ.
وتقول:
حَرِجَ عَلَيَّ ظُلمك، أي حرُم.
ويقال أحْرَجَها بتطليقةٍ، أي حرّمَها.
ويقولون:
أكسَعَها بالمُحْرِجات، يريدون بثلاث تطليقات.
والحَرَج:
السَّرير الذي تُحمَل عليه الموتى.
والمِحَفَّةُ حَرَجٌ.
قال:
فإمّا تَرَيْنِي في رِحالةِ جابرٍ
***
على حَرَجٍ كالقَرّ تَخْفِق أكفاني وناقة حَرَجٌ وحُرْجُوجٌ:
ضامرة، وذلك تداخُلُ عظامِها ولحمِها.
ومنه الحَرِجُ الرّجل الذي لا يكاد يبرحُ القتال.
ومما شذّ عن هذا الباب قولهم إنّ الْحِرْجَ الوَدَعة، والجمع أحراج.
ويقال هو نَصيب الكلْب من لحم الصَّيْد.
قال جحدر:
وتقدُّمي للَّيْثِ أرْسُفُ مُوثَقاً
***
حتى أُكابِرَه على الأحْراجِ
ويقال الحِرْج الحِبالُ تُنْصَب.
قال:
* كأنّها حرج حابلِ *
(حرد) الحاء والراء والدال أصولٌ ثلاثة:
القصد، والغضَب، والتنحِّي.
فالأوَّل:
القصد.
يقال حَرَدَ حَرْدَهُ، أي قصد قصده، قال الله تعالى:
{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} [القلم 25].
[و]
قال:
أقبل سَيْلٌ جاءَ مِنْ عِنْدِ اللهْ
***
يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلّهْ ومن هذا الباب الحُرُود:
مبَاعر الإبل، واحدها حِرْد.
والثاني:
الغضب؛ يقال حَرِدَ الرّجل غَضِبَ حَرْداً، بسكون الراء.
قال الطرمّاح:
* وابن سَلْمى على حَرْدِ *
ويقال أسَدٌ حارد.
قال:
لعَلكِ يوما أن تَرَيْنِي كأنّما
***
بَنِيَّ حوالَيَّ الليُوثُ الحوارِدُ والثالث:
التنحِّي والعُدول.
يقال نَزلَ فلانٌ حريداً، أي منتحِّياً.
وكوكب حَريد.
قال جرير:
نَبْنِي على سَنَنِ العَدُوِّ بُيُوتَنَا
***
لا نستجير ولا نحلُّ حَرِيدا قال أبو زيد:
الحريد ها هنا:
المتحوِّل عن قومه.
وقد حَرَدَ حُرُوداً.
يقول إنَّا لا نَنْزِل في غير قومنا من ضعف وذِلّة؛ لقوّتنا وكثْرتنا.
والمحرَّد من كل شيء:
المعوَّج.
وحارَدَتِ الناقة، إذ قلَّ لبنُها، وذلك أنّها عَدَلَتْ عمَّا كانت عليه من الدّرّ.
وكذلك حارَدَت السنة إذا قَلّ مطرها.
وحَبْلٌ مُحَرَّدٌ، إذا ضُفر فصارت لـه حِرفةٌ لاعوِجاجه.
(حرذ) الحاء والراء والذال ليس أصلاً، وليست فيه عربيةٌ صحيحة.
وقد قالوا إنّ الحِرذَون دويْبَّة.
باب الحاء والراء وما يثلثهما
باب الحاء والراء وما يثلثهما
باب الحاء والراء وما يثلثهما