باب الباء والدال وما بعدهما في الثلاثي
باب الباء والدال وما بعدهما في الثلاثي
(بدر) الباء والدار والراء، أصلان:
أحدهما كمال الشيء وامتلاؤه، والآخر الإسراع إلى الشيء.
[أمّا] الأوّل فهو قولهم لكلّ شيء تَمَّ بَدْرٌ، وسمِّي البدرُ بدراً لتمامه وامتلائه.
وقيل لعشرة آلاف درهمٍ بَدْرةٌ، لأنَّها تمام العدد ومنتهاه.
وعينٌ بَدْرَةٌ أي ممتلئةٌ*.
قال شاعر:
وعين لها حَدْرةٌ بدرةٌ
***
ويقال لمَسْكِ السَّخْلة بَدْرَة.
وهذا محمولٌ على العَدَدِ، كأنّه سُمِّي بذلك لأنّه يسع هذا العدد.
ويقولون غُلامٌ بدرٌ، إذا امتلأَ شباباً.
فأمّا "بدرٌ" المكانُ فهو ماءٌ معروف، نُسِب إلى رجلٍ اسمه بدر.
وأمّا البوادر من الإنسان وغيره فجمع بادرة، وهي اللّحمة التي بَيْنَ المنكب والعُنُق، وهي من الباب لأنها ممتلئة.
قال شاعر:
* وجاءت الخيل محمَرّاً بوادرُها * والأصل الآخر:
قولُهم بَدَرت إلى الشيء وبادَرْت.
وإنما سمِّي الخطاءُ بادرةً لأنّها تبدُر من الإنسان عند حِدّةٍ وغضب.
يُقالُ كانت منه بَوَادِرُ، أي سَقَطاتٌ.
ويقال بَدَرَتْ دَمْعتُه وبادرَتْ، إذا سبقَت، فهي بادرة، والجمعُ بوادر.
قال كثيِّر:
إذا قِيلَ هَذِي دارُ عَزَّةَ قادني
***
إليها الهوى واستعجلتْنِي البوادِرُ
(بدع) الباء والدال والعين أصلان:
أحدهما ابتداء الشيء وصنعُه لا عَنْ مِثال، والآخر الانقطاع والكَلال.
فالأول قولهم:
أبْدعْتُ الشيءَ قولاً أو فِعلاً، إذا ابتدأتَه لا عن سابق مثال.
والله بديعُ السّمواتِ والأرض.
والعرب تقول:
ابتدَعَ فلان الرَّكِيَّ إذا استنبَطَه.
وفلانٌ بِدعٌ في هذا الأمر.
قال الله تعالى:
{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف 9]، أي ما كنتُ أوّل.
والأصل الآخر قولهم:
أُبْدِعَتِ الراحلةُ، إذا كَلّت وعَطِبت، وأُبدِع بالرَّجُل، إذا كَلَّتْ رِكابُه أو عَطِبت وبقي مُنْقَطَعاً به.
وفي الحديث:
"أنّ رجلاً أتاه فقال يا رسول الله، إني أُبْدِعَ بي فاحمِلْني ".
ويقال الإبداع لا يكون إلا بظَلْعٍ.
ومن بعض ذلك اشتُقّت البِدْعة.
(بدغ) الباء والدال والغين، ليست فيه كلمةٌ أصلية، لأن الدال في أحد أصولها مبدَلة من طاءٍ، وهو قولهم بَدِغَ الرَّجُل إذا تلطّخ بالشَّرّ، وهو بَدِغٌ من الرِّجال.
وهذا إنما هو في الأصل طاء، وقد ذكر في بابه
(بطغ).
وبقيت كلمتان مشكوكٌ فيهما:
إحداهما قولهم البَدَغ التزحُّف على الأرض.
والأخرى قولهم:
إنّ بني فُلانٍ لبَدِغُونَ، إذا كانوا سِماناً حسنةً أحوالُهم.
والله أعلمُ بصحّة ذلك.
(بدل) الباء والدال واللام أصلٌ واحد، وهو قيام الشيءِ مَقامَ الشيءِ الذاهب.
يقال هذا بدَلُ الشيءِ وبَدِيلُه.
ويقولون بدّلْتُ الشيءَ إذا غيّرتَه وإنْ لم تأتِ له ببَدَلٍ.
قال الله تعالى:
{قُلْ مَا يَكوُنُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي} [يونس 15].
وأبْدَلْتُه إذا أتيتَ له ببدلٍ.
قال الشاعر:
* عَزْلَ الأمِيرِ للأميرِ المُبْدَلِ *
(بدن) الباء والدال والنون أصلٌ واحد، وهو شخص الشيء دون شَوَاه، وشَواهُ أطرافُه.
يقال هذا بَدَنُ الإنسان، والجمع الأبدان.
وسمي الوَعِل المُسِنُّ بَدَناً مِن هذا.
قال الشاعر:
قد ضَمّها والبَدَنَ الحِقَابُ جِدِّي لِكُلِّ عاملٍ ثَوابُ الرأسُ والأكْرُعُ والإهابُ وإنما سمّي بذلك لأنهم إذا بالَغُوا في نَعْت الشيء سمَّوهُ باسمِ الجِنْس، كما يقولون للرّجُل المبالَغِ في نعته:
هو رجُل، فكذلك الوَعِل الشَّخيص، سُمّي بَدَنا.
وكذلك البَدَنَة التي تُهدى للبيت، قالوا:
سمّيت بذلك لأنّهم كانوا يستسمنونها.
ورجلٌ بَدَنٌ أي مُسِنٌّ.
قال الشاعر:
هل لِشبابٍ فَاتَ مِنْ مَطْلَب
***
أمْ ما بُكاءُ البَدَنِ الأشْيَبِ ورجل بادِنٌ وبَدِينٌ، أي عظيم الشَّخصِ والجِسم، يقال منه بَدُن.
وفي الحديث:
"إني قد بَدُنْتُ".
والنّاس قد يروُونه:
"بَدَّنتُ".
ويقولون:
بَدَّنَ إذا أسَنَّ.
قال الشاعر:
وكنتُ خِلتُ الشَّيبَ والتَّبدِينا
***
والهَمَّ مما يُذْهِلُ القَرِينا وتسمَّى الدِّرعُ البَدَنَ لأنها تَضُمّ البَدَن.
(بده) الباء والدال والهاء أصلٌ واحد* يدلُّ على أوّل الشيءِ والذي يفاجِئُ منه.
يقال بادَهْتُ فُلاناً بالأمر، إذا فاجأتَه.
وفلانٌ ذو بَديهة إذا فجِئَهُ الأمْرُ لم يتحيَّر.
والبُدَاهة أوّل جَرْي الفرس، قال الأعشى:
إلاّ بُداهَةَ أو عُلا
***
لَةَ سابحٍ نَهْدِ الجُزَارَهْ
(بدو) الباء والدال والواو أصلٌ واحد، وهو ظُهور الشيء.
يقال بدا الشيءُ يَبدُو، إذا ظَهَر، فهو بادٍ.
وسُمِّي خلافُ الحَضَر بَدْواً من هذا، لأنّهم في بَرَازٍ من الأرض، وليسوا في قُرىً تستُرُهم أبنِيتُها.
والبادية خِلاف الحاضرة.
قال الشاعر:
فمن تكن الحَِضارةُ أعجبَتْهُ
***
فأيَّ رِجالِ بادِيةٍ تَرَانا وتقول:
بدا لي في هذا الأَمر بَدَاءٌ، أي تغيَّر رأْيي عما كان عليه.
(بدأ) الباء والدال والهمزة من افتتاح الشيء، يقال بدأت بالأمر وابتدأت، من الابتداء.
والله تعالى المبْدِئُ والبادئُ.
قال الله عزّ وجلّ:
{إنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ} [البروج 13]، وقال تعالى:
{كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ} [العنكبوت 20].
ويقال للأمر العَجَبِ بَدِيٌّ، كأنَّه من عَجَبِه يُبْدَأُ به.
قال عَبيد:
* فلا بديٌّ ولا عجيبُ *
ويقال للسَّيّد البَدْءُ، لأَنّه يُبدَأُ بذكره.
قال:
تَرَى ثِنانا إذا ما جاء بَدْأَهُمُ
***
وبدؤُهم إنْ أتانا كان ثُنيانا وتقول:
أبدأْت من أرضٍ إلى أُخرى أُبدِئُ إبداءً، إذا خرجتَ منها إلى غيرها.
والبُدْأَة النَّصيب، وهو من هذا أيضاً، لأنَّ كلَّ ذي نصيبٍ فهو يُبْدأ بذِكْره دونَ غيره، وهو أهمُّها إليه.
قال الشاعر:
فمَنحْتُ بُدْأَتَها رَقِيباً جانحِاً
***
والنارُ تَلفحُ وَجْهَهُ بأُوارِها والبُدُوءُ مفاصل الأصابع،واحدها بَدْءٌ، مثل بَدْع.
وأظنّه مما هُمِز وليس أصله الهمز.
وإنّما سمّيت بُدُوءاً لبُروزها وظُهورِها، فهي إذاً من الباب الأوّل.
وممّا شذَّ عن هذا الأصل ولا أدري ممّ اشتقاقُه قولهم بُدِئَ فهو مبدوءٌ، إذا جُدِرَ أو حُصِبَ.
قال الشاعر:
وكأَنّما بُدِئَتْ ظَواهِرُ جِلدِه
***
ممّا يُصافِحُ من لهيبِ سِهامِها
(بدح) الباء والدال والحاء أصلٌ واحدٌ تُرَدُّ إليه فُروعٌ متشابهة، وما بعد ذلك فكلُّه محمولٌ على غيره أو مُبْدَلٌ منه.
فأمّا الأصل فاللِّين والرَّخاوَة والسُّهولة.
قال الهُذَليّ:
كأنَّ أتِيَّ السَّيْلِ مَدَّ عليهمُ
***
إذا دفَعَتْهُ في البَدَاحِ الجَراشِعُ ثم اشتُقّ من هذا قولُهم للمرأة البَادِن الضَّخْمة بَيْدَح.
قال الطرمّاح:
أغَارُ على نَفْسِي لسَلْمةَ خالِياً
***
ولو عرَضَتْ لي كلُّ بَيضاءَ بَيْدَحِ قال أبو سعيد:
البَدْحاء من النِّساء الواسعة الرُّفْغ.
قال:
* بَدْحَاء لا يَسْتُرُهُ فَخْذَاها * يقال بَدَحَتِ المرأةُ [و] تبدَّحَتْ، إذا حسُنَتْ مِشْيتها.
قال الشاعر:
يَبْدَحْنَ في أَسْوُقٍ خُرْسٍ خَلاخِلها
***
مَشْيَ المِهارِ بماءٍ تَتَّقي الوَحَلا وقال آخر:
يَتْبَعْنَ سَدْوَ رَسْلَةٍ تَبدَّحُ
***
يقودُها هادٍ وعينٌ تَلْمَحُ تَبَدّح:
تَبَسَّط.
ومن هذا الباب قول الخليل:
[البَدْح] ضربُك بشيءٍ فيه رَخاوة، كما تأخذ بِطِّيخة فَتَبْدَح بها إنساناً.
وتقول:
رأيتهم يَتبادَحُون بالكُرِينَ والرُّمانِ ونحوِ ذلك عبثاً.
فهذا الأصل الذي هو عمدة الباب.
وأمّا الكلماتُ الأُخَر فقولهم:
بدحَه الأمرُ، وإنما هي حاءٌ مبدلة من هاء، والأصل بدَهَهُ.
وكذلك قولهم ابتدحت الشيءَ، إذا ابتدأتَ به من تِلقاءِ نفسك، إنما هو في الأصل ابتدَعْت واختلقْت.
قال الشاعر:
يا أيُّها السّائلُ بالجَحْجاحِ
***
لَفِي مُرَادٍ غَيْرَ ذِي ابتداحِ وكذلك البَدْح، وهو العَجْز عن الحَمَالة إذا احتمَلها الإنسان، وكذلك عَجْزُ البعير عن حَمْل حِمْله.
قال الشاعر:
وكاين بالمَعن مِن أغَرَّ سَمَيْدَعٍ
***
إذا حُمِّل الأثْقالَ ليسَ ببادِح فهذا من العين، وهو الإبداع الذي مضَى ذكره، إذا كلَّ وأعيا.
فأمّا قول القائل:
بالهَجر من شعثاءَ والـ
***
ـحَبْلِ الذي قَطَعَتْهُ بَدْحَا فهو من الهاء، كأنها فاجأَتْ به من البديهة، وقد مضى ذكره.
وأما الذي حكاه أبو عُبيدٍ مِن قولهم بَدَحْتُه بالعصا، أي ضربتُه بها، فمحمول* على قولهم:
بدحْتُه بالرُّمّان وشبهِها، والأصل ذاك.
باب الباء والدال وما بعدهما في الثلاثي
باب الباء والدال وما بعدهما في الثلاثي
باب الباء والدال وما بعدهما في الثلاثي