باب قصة اصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الاعمال
باب قصة اصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الاعمال
4926- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَوَوْا إِلَى غَار فِي جَبَل» الْغَار: النَّقْب فِي الْجَبَل و«أَوَوْا» بِقَصْرِ الْهَمْزَة وَيَجُوز فَتْحهَا فِي لُغَة قَلِيلَة سَبَقَ بَيَانهَا قَرِيبًا.
قَوْله: «اُنْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَة، فَادْعُوا اللَّه بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجهَا» اِسْتَدَلَّ أَصْحَابنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَال كَرْبه، وَفِي دُعَاء الِاسْتِسْقَاء وَغَيْره بِصَالِحِ عَمَله، وَيَتَوَسَّل إِلَى اللَّه تَعَالَى بِهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ، وَذَكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِض الثَّنَاء عَلَيْهِمْ، وَجَمِيل فَضَائِلهمْ.
وَفيه: فَضْل الْعَفَاف وَالِانْكِفَاف عَنْ الْمُحَرَّمَات، لاسيما بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهَا، وَالْهَمّ بِفِعْلِهَا، وَيَتْرُك لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا.
وَفيه: جَوَاز الْإِجَارَة وَفَضْل حُسْن الْعَهْد، وَأَدَاء الْأَمَانَة، وَالسَّمَاحَة فِي الْمُعَامَلَة.
وَفيه: إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ.
قَوْله: «فَإِذَا أَرَحْت عَلَيْهِمْ حَلَبْت» مَعْنَاهُ: إِذَا رَدَدْت الْمَاشِيَة مِنْ الْمَرْعِي إِلَيْهِمْ، وَإِلَى مَوْضِع مَبِيتهَا، وَهُوَ مُرَاحهَا بِضَمِّ الْمِيم، يُقَال: أَرَحْت الْمَاشِيَة وَرَوَّحْتهَا بِمَعْنًى.
قَوْله: «نَأَى بِي ذَات يَوْم الشَّجَر» وَفِي بَعْض: «نَاءٍ بِي»، فَالْأَوَّل بِجَعْلِ الْهَمْزَة قَبْل الْأَلِف، وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَر الْقُرَّاء السَّبْعَة، وَالثَّانِي عَكْسه، وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ، وَمَعْنَاهُ (بَعُدَ) وَالثَّانِي (الْبُعْد).
قَوْله: «فَجِئْت بِالْحِلَابِ» هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء، وَهُوَ: الْإِنَاء الَّذِي يُحْلَب فيه، يَسَع حَلْبَة نَاقَة، وَيُقَال لَهُ، الْمِحْلَب بِكَسْرِ الْمِيم، قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ يُرِيد بِالْحِلَابِ هُنَا اللَّبَن الْمَحْلُوب.
قَوْله: «وَالصِّبْيَة يَتَضَاغَوْنَ» أَيْ: يَصِيحُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ مِنْ الْجُوع.
قَوْله: «فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي» أَيْ: حَالِي اللَّازِمَة، وَالْفُرْجَة بِضَمِّ الْفَاء وَفَتْحهَا، وَيُقَال لَهَا أَيْضًا: فَرْج، سَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات.
قَوْله: «وَقَعْت بَيْن رِجْلَيْهَا» أَيْ: جَلَسْت مَجْلِس الرَّجُل لِلْوِقَاعِ.
قَوْلهَا: «لَا تَفْتَح الْخَاتَم إِلَّا بِحَقِّهِ» الْخَاتَم كِنَايَة عَنْ بَكَارَتهَا، وَقَوْله: «بِحَقِّهِ» أَيْ: بِنِكَاحٍ لَا بِزِنًا.
قَوْله: «بِفَرَقِ أُرْز» الْفَرَق بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَانهَا لُغَتَانِ، الْفَتْح أَجْوَد وَأَشْهَر، وَهُوَ: إِنَاء يَسَع ثَلَاثَة آصَع، وَسَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة.
قَوْله: «فَرَغِبَ عَنْهُ» أَيْ: كَرِهَهُ وَسَخِطَهُ وَتَرَكَهُ.
قَوْله: «لَا أَغْبُق قَبْلهمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا» فَقَوْله: «لَا أَغْبُق» بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمِّ الْبَاء أَيْ: مَا كُنْت أُقَدِّم عَلَيْهِمَا أَحَدًا فِي شُرْب نَصِيبهمَا عِشَاء مِنْ اللَّبَن، وَالْغَبُوق شُرْب الْعِشَاء، وَالصَّبُوح شُرْب أَوَّل النَّهَار، يُقَال مِنْهُ: غَبَقْت الرَّجُل- بِفَتْحِ الْبَاء- أَغْبُقُهُ- بِضَمِّهَا مَعَ فَتْح الْهَمْزَة- غَبْقًا فَاغْتَبَقَ، أَيْ: سَقَيْته عِشَاء فَشَرِبَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ ضَبْطه مُتَّفَق عَلَيْهِ فِي كُتُب اللُّغَة، وَكُتُب غَرِيب الْحَدِيث وَالشُّرُوح، وَقَدْ يُصَحِّفهُ بَعْض مَنْ لَا أَنَس لَهُ، فَيَقُول: أُغْبِق بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْبَاء، وَهَذَا غَلَط.
قَوْله: «أَلَمَّتْ بِهَا سَنَة» أَيْ: وَقَعَتْ فِي سَنَة قَحْط.
قَوْله: «فَثَمَّرْت أَجْره» أَيْ: ثَمَنه.
قَوْله: «حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَال فَارْتَعَجَتْ» هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْجِيم، أَيْ: كَثُرَتْ، حَتَّى ظَهَرَتْ حَرَكَتهَا وَاضْطِرَابهَا، وَمَوْج بَعْضهَا فِي بَعْض لِكَثْرَتِهَا، وَالِارْتِعَاج الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيث أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يُجِيز بَيْع الْإِنْسَان مَالَ غَيْره وَالتَّصَرُّف فيه بِغَيْرِ إِذْن مَالِكه إِذَا أَجَازَهُ الْمَالِك بَعْد ذَلِكَ، وَوَضْع الدَّلَالَة قَوْله: «فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعهُ حَتَّى جَمَعْت مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا»، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ: «فَثَمَّرْت أَجْره حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَال فَقُلْت: كُلّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرك مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالرَّقِيق» وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِمَّنْ لَا يُجِيز التَّصَرُّف الْمَذْكُور بِأَنَّ هَذَا إِخْبَار عَنْ شَرْع مَنْ قَبْلنَا، وَفِي كَوْنه شَرْعًا لَنَا خِلَاف مَشْهُور لِلْأُصُولِيِّينَ، فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا فَلَا حُجَّة.
وَإِلَّا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ اِسْتَأْجَرَهُ بِأُرْزٍ فِي الذِّمَّة، وَلَمْ يُسَلِّم إِلَيْهِ، بَلْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلهُ لِرَدَاءَتِهِ، فَلَمْ يَتَعَيَّن مِنْ غَيْر قَبْض صَحِيح فَبَقِيَ عَلَى مَالِك الْمُسْتَأْجِر؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّة لَا يَتَعَيَّن إِلَّا بِقَبْضٍ صَحِيح، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَأْجِر تَصَرَّفَ فيه وَهُوَ مِلْكه، فَصَحَّ تَصَرُّفه، سَوَاء اِعْتَقَدَهُ لِنَفْسِهِ أَمْ لِلْأَجِيرِ، ثُمَّ تَبَرَّعَ بِمَا اِجْتَمَعَ مِنْهُ مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالرَّقِيق عَلَى الْأَجِير بِتَرَاضِيهِمَا.
وَاَللَّه أَعْلَم.
باب قصة اصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الاعمال
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ﴿ 27 ﴾
۞۞
۞۞۞۞۞۞