باب في سعة رحمة الله تعالى وانها سبقت غضبه
باب في سعة رحمة الله تعالى وانها سبقت غضبه
4939- قَوْله تَعَالَى: «إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِب غَضَبِي» وَفِي رِوَايَة: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» قَالَ الْعُلَمَاء: غَضَب اللَّه تَعَالَى وَرِضَاهُ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الْإِرَادَة، فَإِرَادَته الْإِثَابَة لِلْمُطِيعِ، وَمَنْفَعَة الْعَبْد تُسَمَّى رِضًا وَرَحْمَة، وَإِرَادَته عِقَاب الْعَاصِي وَخِذْلَانه تُسَمَّى غَضَبًا، وَإِرَادَتُهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ يُرِيد بِهَا جَمِيع الْمُرَادَات، قَالُوا: وَالْمُرَاد بِالسَّبْقِ وَالْغَلَبَة هُنَا كَثْرَة الرَّحْمَة وَشُمُولهَا، كَمَا يُقَال: غَلَبَ عَلَى فُلَان الْكَرَم وَالشَّجَاعَة إِذَا كَثُرَا مِنْهُ.
4942- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَعَلَ اللَّه الرَّحْمَة مِائَة جُزْء إِلَى آخِره».
هَذِهِ الْأَحَادِيث مِنْ أَحَادِيث الرَّجَاء وَالْبِشَارَة لِلْمُسْلِمِينَ، قَالَ الْعُلَمَاء: لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَة وَاحِدَة فِي هَذِهِ الدَّار- الْمَبْنِيَّة عَلَى الْأَكْدَار- بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآن وَالصَّلَاة وَالرَّحْمَة فِي قَلْبه وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّه تَعَالَى بِهِ، فَكَيْف الظَّنّ بِمِائَةِ رَحْمَة فِي الدَّار الْآخِرَة، وَهِيَ دَار الْقَرَار وَدَار الْجَزَاء.
وَاَللَّه أَعْلَم.
هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخ بِلَادنَا جَمِيعًا: «جَعَلَ اللَّه الرَّحْمَة مِائَة جُزْء» وَذَكَرَ الْقَاضِي: «جَعَلَ اللَّه الرُّحْم» بِحَذْفِ الْهَاء وَبِضَمِّ الرَّاء، قَالَ: وَرَوَيْنَاهُ بِضَمِّ الرَّاء وَيَجُوز فَتْحهَا وَمَعْنَاهُ الرَّحْمَة.
✯✯✯✯✯✯
4943- سبق شرحه بالباب.
✯✯✯✯✯✯
4944- سبق شرحه بالباب.
✯✯✯✯✯✯
4945- سبق شرحه بالباب.
✯✯✯✯✯✯
4946- سبق شرحه بالباب.
✯✯✯✯✯✯
4947- قَوْله: «فَإِذَا اِمْرَأَة مِنْ السَّبْي تَبْتَغِي» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ صَحِيح مُسْلِم: «تَبْتَغِي» مِنْ الِابْتِغَاء، وَهُوَ: الطَّلَب، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَهَذَا وَهْم وَالصَّوَاب مَا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ: «تَسْعَى» بِالسِّينِ مِنْ السَّعْي، قُلْت: كِلَاهُمَا صَوَاب لَا وَهْم فيه، فَهِيَ سَاعِيَة وَطَالِبَة مُبْتَغِيَة لِابْنِهَا.
وَاَللَّه أَعْلَم.
✯✯✯✯✯✯
4949- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي الرَّجُل الَّذِي لَمْ يَعْمَل حَسَنَة أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ وَيَذْرُوهُ فِي الْبَحْر وَالْبَرّ، وَقَالَ: فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لِيُعَذِّبنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ فِي آخِره: لِمَ فَعَلْت هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتك يَا رَبّ وَأَنْتَ أَعْلَم، فَغَفَرَ لَهُ» اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَتْ طَائِفَة: لَا يَصِحّ حَمْل هَذَا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ قُدْرَة اللَّه، فَإِنَّ الشَّاكّ فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى كَافِر، وَقَدْ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث: إِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَة اللَّه تَعَالَى، وَالْكَافِر لَا يَخْشَى اللَّه تَعَالَى، وَلَا يُغْفَر لَهُ، قَالَ هَؤُلَاءِ: فَيَكُون لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ: لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْعَذَاب، أَيْ: قَضَاهُ، يُقَال مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِد.
وَالثَّانِي: إِنْ قَدَرَ هُنَا بِمَعْنَى ضَيَّقَ عَلَيَّ قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقه} وَهُوَ أَحَد الْأَقْوَال فِي قَوْله تَعَالَى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِر عَلَيْهِ} وَقَالَتْ طَائِفَة: اللَّفْظ عَلَى ظَاهِره، وَلَكِنْ قَالَهُ هَذَا الرَّجُل وَهُوَ غَيْر ضَابِط لِكَلَامِهِ، وَلَا قَاصِد لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ، وَمُعْتَقِد لَهَا، بَلْ قَالَهُ فِي حَالَة غَلَبَ عَلَيْهِ فيها الدَّهْش وَالْخَوْف وَشِدَّة الْجَزَع، بِحَيْثُ ذَهَبَ تَيَقُّظه وَتَدَبُّر مَا يَقُولهُ، فَصَارَ فِي مَعْنَى الْغَافِل وَالنَّاسِي، وَهَذِهِ الْحَالَة لَا يُؤَاخَذ فيها، وَهُوَ نَحْو قَوْل الْقَائِل الْآخَر الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْفَرَح حِين وَجَدَ رَاحِلَته: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبّك، فَلَمْ يَكْفُر بِذَلِكَ الدَّهْش وَالْغَلَبَة وَالسَّهْو.
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر مُسْلِم: «فَلَعَلِّي أَضِلّ اللَّه» أَيْ: أَغِيب عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله: «لَئِنْ قَدَرَ اللَّه» عَلَى ظَاهِره، وَقَالَتْ طَائِفَة: هَذَا مِنْ مَجَاز كَلَام الْعَرَب، وَبَدِيع اِسْتِعْمَالهَا، يُسَمُّونَهُ مَزْج الشَّكّ بِالْيَقِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لِعَلَى هُدًى} فَصُورَته صُورَة شَكّ وَالْمُرَاد بِهِ الْيَقِين، وَقَالَتْ طَائِفَة: هَذَا الرَّجُل جَهِلَ صِفَة مِنْ صِفَات اللَّه تَعَالَى، وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَكْفِير جَاهِل الصِّفَة، قَالَ الْقَاضِي: وَمِمَّنْ كَفَّرَهُ بِذَلِكَ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيُّ، وَقَالَهُ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ، أَوَّلًا، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَكْفُر بِجَهْلِ الصِّفَة، وَلَا يَخْرُج بِهِ عَنْ اِسْم الْإِيمَان بِخِلَافِ جَحْدهَا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ، وَعَلَيْهِ اِسْتَقَرَّ قَوْله؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِد ذَلِكَ اِعْتِقَادًا يَقْطَع بِصَوَابِهِ، وَيَرَاهُ دِينًا وَشَرْعًا، وَإِنَّمَا يَكْفُر مَنْ اِعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَته حَقٌّ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَوْ سُئِلَ النَّاس عَنْ الصِّفَات لَوُجِدَ الْعَالِم بِهَا قَلِيلًا، وَقَالَتْ طَائِفَة: كَانَ هَذَا الرَّجُل فِي زَمَن فَتْرَة حِين يَنْفَع مُجَرَّد التَّوْحِيد، وَلَا تَكْلِيف قَبْل وُرُود الشَّرْع عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا} وَقَالَتْ طَائِفَة: يَجُوز أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَن شَرْعهمْ فيه جَوَاز الْعَفْو عَنْ الْكَافِر، بِخِلَافِ شَرْعنَا، وَذَلِكَ مِنْ مُجَوَّزَات الْعُقُول عِنْد أَهْل السُّنَّة، وَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ فِي شَرْعنَا بِالشَّرْعِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ} وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّة، وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقِيلَ: إِنَّمَا وَصَّى بِذَلِكَ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ، وَعُقُوبَة لَهَا لِعِصْيَانِهَا، وَإِسْرَافهَا، رَجَاء أَنْ يَرْحَمهُ اللَّه تَعَالَى.
✯✯✯✯✯✯
4950- سبق شرحه بالباب.
✯✯✯✯✯✯
4951- قَوْله: (إِنَّ اِبْن شِهَاب ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث)، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي دَخَلَتْ النَّار، وَعُذِّبَتْ بِسَبَبِ هِرَّة حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ قَالَ اِبْن شِهَاب: لِئَلَّا يَتَّكِل رَجُل، وَلَا يَيْأَس رَجُل.
مَعْنَاهُ: أَنَّ اِبْن شِهَاب لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيث الْأَوَّل خَافَ أَنَّ سَامِعه يَتَّكِل عَلَى مَا فيه مِنْ سَعَة الرَّحْمَة، وَعِظَم الرَّجَاء، فَضَمَّ إِلَيْهِ حَدِيث الْهِرَّة الَّذِي فيه مِنْ التَّخْوِيف ضِدّ ذَلِكَ، لِيَجْتَمِع الْخَوْف وَالرَّجَاء، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله: لِئَلَّا يَتَّكِل وَلَا يَيْأَس، وَهَكَذَا مُعْظَم آيَات الْقُرْآن الْعَزِيز، يَجْتَمِع فيها الْخَوْف وَالرَّجَاء، وَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاء: يُسْتَحَبّ لِلْوَاعِظِ أَنْ يَجْمَع فِي مَوْعِظَته بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء؛ لِئَلَّا يَقْنَط أَحَد، وَلَا يَتَّكِل، قَالُوا: وَلْيَكُنْ التَّخْوِيف أَكْثَر؛ لِأَنَّ النُّفُوس إِلَيْهِ أَحْوَج؛ لِمَيْلِهَا إِلَى الرَّجَاء وَالرَّاحَة وَالِاتِّكَال، وَإِهْمَال بَعْض الْأَعْمَال.
وَأَمَّا حَدِيث الْهِرَّة فَسَبَقَ شَرْحه فِي مَوْضِعه.
✯✯✯✯✯✯
4952- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَاشَهُ اللَّه مَالًا وَوَلَدًا» هَذِهِ اللَّفْظَة رُوِيَتْ بِوَجْهَيْنِ فِي صَحِيح مُسْلِم، أَحَدهمَا (رَاشَهُ) بِأَلِفٍ سَاكِنَة غَيْر مَهْمُوزَة، وَبِشِينٍ مُعْجَمَة.
وَالثَّانِي (رَأَسه) بِهَمْزَةٍ وَسِين مُهْمَلَة، قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ رِوَايَة الْجُمْهُور، وَمَعْنَاهُ: أَعْطَاهُ اللَّه مَالًا وَوَلَدًا، قَالَ: وَلَا وَجْه لِلْمُهْمَلَةِ هُنَا، وَكَذَا قَالَ غَيْره، وَلَا وَجْه لَهُ هُنَا.
قَوْله: «فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِر عِنْد اللَّه خَيْرًا» هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ، وَلِبَعْضِ الرُّوَاة: «أَبْتَئِر» بِهَمْزَةٍ بَعْد التَّاء، وَفِي أَكْثَرهَا: «لَمْ أَبْتَهِر» بِالْهَاءِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَالْهَاء مُبْدَلَة مِنْ الْهَمْزَة، وَمَعْنَاهُمَا: لَمْ أُقَدِّم خَيْرًا وَلَمْ أَدَّخِرهُ، وَقَدْ فَسَّرَهَا قَتَادَةُ فِي الْكِتَاب، وَفِي رِوَايَة: «لَمْ يَبْتَئِر» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ، وَفِي رِوَايَة: «مَا أَمْتَئِر» بِالْمِيمِ مَهْمُوز أَيْضًا وَالْمِيم مُبْدَلَة مِنْ الْبَاء الْمُوَحَّدَة.
قَوْله: «وَإِنَّ اللَّه يَقْدِر عَلَى أَنْ يُعَذِّبنِي» هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ بِبِلَادِنَا، وَنَقَلَ اِتِّفَاق الرُّوَاة وَالنُّسَخ عَلَيْهِ هَكَذَا بِتَكْرِيرِ (إِنْ) وَسَقَطَتْ لَفْظَة (إِنْ) الثَّانِيَة فِي بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة فَعَلَى هَذَا تَكُون (إِنْ) الْأُولَى شَرْطِيَّة وَتَقْدِيره: إِنْ قَدَرَ اللَّه عَلَيَّ عَذَّبَنِي، وَهُوَ مُوَافِق لِلرِّوَايَةِ السَّابِقَة، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة الْجُمْهُور وَهِيَ إِثْبَات (إِنَّ) الثَّانِيَة مَعَ الْأُولَى فَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيره، فَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْكَلَام فيه تَلْفِيق، قَالَ: فَإِنْ أَخَذَ عَلَى ظَاهِره وَنَصَبَ اِسْم اللَّه، وَجَعَلَ تَقْدِير فِي مَوْضِع خَبَر إِنْ اِسْتَقَامَ اللَّفْظ، وَصَحَّ الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ يَصِير مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامه الَّذِي ظَاهِره الشَّكّ فِي الْقُدْرَة، قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: صَوَابه حَذْف (إِنَّ) الثَّانِيَة وَتَخْفِيف الْأُولَى، وَرَفْعِ اِسْم اللَّه تَعَالَى، قَالَ: وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ بَعْضهمْ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِره بِإِثْبَاتِ (إِنْ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْأُولَى مُشَدَّدَة وَمَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّه قَادِر عَلَى أَنْ يُعَذِّبنِي، وَيَكُون هَذَا عَلَى قَوْل مَنْ تَأَوَّلَ الرِّوَايَة الْأُولَى عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِقَدَرَ: ضَيَّقَ، أَوْ غَيْره مِمَّا لَيْسَ فيه نَفْي حَقِيقَة الْقُدْرَة، وَيَجُوز أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره كَمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِل، لَكِنْ يَكُون قَوْله هُنَا مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّه قَادِر عَلَى أَنْ يُعَذِّبنِي إِنْ دَفَنْتُمُونِي بِهَيْئَتِي، فَأَمَّا إِنْ سَحَقْتُمُونِي وَذَرَّيْتُمُونِي فِي الْبَرّ وَالْبَحْر فَلَا يَقْدِر عَلَيَّ وَيَكُون جَوَابه كَمَا سَبَقَ، وَبِهَذَا تَجْتَمِع الرِّوَايَات.
وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَرَبِّي» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم (وَرَبِّي) عَلَى الْقَسَم، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض الِاتِّفَاق عَلَيْهِ أَيْضًا فِي كِتَاب مُسْلِم، قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْقَسَم مِنْ الْمُخْبِر بِذَلِكَ عَنْهُمْ لِتَصْحِيحِ خَبَره، وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ: «فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا وَرَبِّي فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ» قَالَ بَعْضهمْ: وَهُوَ الصَّوَاب، قَالَ الْقَاضِي: بَلْ هُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى وَالْقَسَم، قَالَ: وَجَدْته فِي بَعْض نُسَخ صَحِيح مُسْلِم مِنْ غَيْر رِوَايَة لِأَحَدٍ مِنْ شُيُوخنَا إِلَّا لِلتَّمِيمِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْحَذَّاء: «فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَذُرِّيَ» قَالَ: فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَهِيَ وَجْه الْكَلَام لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَذُرُّوهُ، وَلَعَلَّ الذَّال سَقَطَتْ لِبَعْضِ النُّسَّاخ، وَتَابَعَهُ الْبَاقُونَ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَالرِّوَايَات الثَّلَاث الْمَذْكُورَات صَحِيحَات الْمَعْنَى ظَاهِرَات، فَلَا وَجْه لِتَغْلِيطِ شَيْء مِنْهَا.
وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: «فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرهَا» أَيْ: مَا تَدَارَكَهُ، وَالتَّاء فيه زَائِدَة.
قَوْله: «إِنَّ رَجُلًا مِنْ النَّاس رَغَسَهُ اللَّه مَالًا وَوَلَدًا» هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة الْمُخَفَّفَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة، أَيْ أَعْطَاهُ مَالًا، وَبَارَكَ لَهُ فيهبَاب (قَبُول التَّوْبَة مِنْ الذُّنُوب وَإِنْ تَكَرَّرَتْ الذُّنُوب وَالتَّوْبَة):هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّل كِتَاب التَّوْبَة، وَهَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة فِي الدَّلَالَة لَهَا، وَأَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ الذَّنْب مِائَة مَرَّة أَوْ أَلْف مَرَّة أَوْ أَكْثَر، وَتَابَ فِي كُلّ مَرَّة، قُبِلَتْ تَوْبَته، وَسَقَطَتْ ذُنُوبه، وَلَوْ تَابَ عَنْ الْجَمِيع تَوْبَة وَاحِدَة بَعْد جَمِيعهَا صَحَّتْ تَوْبَته.
✯✯✯✯✯✯
4953- قَوْله عَزَّ وَجَلَّ لِلَّذِي تَكَرَّرَ ذَنْبه: «اِعْمَلْ مَا شِئْت فَقَدْ غَفَرْت لَك» مَعْنَاهُ: مَا دُمْت تُذْنِب ثُمَّ تَتُوب غَفَرْت لَك، وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقَاعِدَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
✯✯✯✯✯✯
4954- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُط يَده بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيء النَّهَار، وَيَبْسُط يَده بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيء اللَّيْل حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا» وَلَا يَخْتَصّ قَبُولهَا بِوَقْتٍ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فَبَسْط الْيَد اِسْتِعَارَة فِي قَبُول التَّوْبَة، قَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمُرَاد بِهِ قَبُول التَّوْبَة، وَإِنَّمَا وَرَدَ لَفْظ (بَسْط الْيَد) لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا رَضِيَ أَحَدهمْ الشَّيْء بَسَطَ يَده لِقَبُولِهِ، وَإِذَا كَرِهَهُ قَبَضَهَا عَنْهُ، فَخُوطِبُوا بِأَمْرٍ حِسِّيّ يَفْهَمُونَهُ، وَهُوَ مَجَاز، فَإِنَّ يَد الْجَارِحَة مُسْتَحِيلَة فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى.
باب في سعة رحمة الله تعالى وانها سبقت غضبه
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب التوبة ﴿ 4 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞