باب النهي عن هتك الانسان ستر نفسه
باب النهي عن هتك الانسان ستر نفسه
5306- قَوْله: «كُلّ أُمَّتِي مُعَافَاة إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْإِجْهَار أَنْ يَعْمَل الْعَبْد عَمَلًا إِلَى آخِره» هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَالْأُصُول الْمُعْتَمَدَة: «مُعَافَاة» بِالْهَاءِ فِي آخِره، يَعُود إِلَى الْأُمَّة.
وَقَوْله: «إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ» هُمْ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ، وَأَظْهَرُوهَا، وَكَشَفُوا مَا سَتَرَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ بِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَة وَلَا حَاجَة.
يُقَال: جَهَرَ بِأَمْرِهِ، وَأَجْهَر، وَجَاهَرَ.
وَأَمَّا قَوْله: «وَإِنَّ مِنْ الْإِجْهَار» فَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ إِلَّا نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ فَفيها: «وَإِنَّ مِنْ الْجِهَار»، وَهُمَا صَحِيحَانِ الْأَوَّل مِنْ أَجْهَر، وَالثَّانِي مِنْ جَهَرَ.
وَأَمَّا قَوْله مُسْلِم: (وَقَالَ زُهَيْر: وَإِنَّ مِنْ الْهِجَار) بِتَقْدِيمِ الْهَاء فَقِيلَ: إِنَّهُ خِلَاف الصَّوَاب، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ صَحِيح، وَيَكُون الْهِجَار لُغَة فِي الْهِجَار الَّذِي هُوَ الْفُحْش وَالْخَنَا وَالْكَلَام الَّذِي لَا يَنْبَغِي، وَيُقَال فِي هَذَا أَهَجَرَ إِذَا أَتَى بِهِ، كَذَا ذَكَره الْجَوْهَرِيّ وَغَيْرهبَاب تَشْمِيت الْعَاطِس وَكَرَاهَة التَّثَاؤُب:يُقَال: شَمَّتَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْمُهْمَلَة، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، الْمُعْجَمَة أَفْصَح.
قَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّه عَنْك الشَّمَاتَة، وَبِالْمُهْمَلَةِ هُوَ مِنْ السَّمْت وَهُوَ الْقَصْد وَالْهُدَى، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان التَّشْمِيت وَأَحْكَامه فِي كِتَاب السَّلَام وَمَوَاضِع، وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوع.
ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي إِيجَابه، فَأَوْجَبَهُ أَهْل الظَّاهِر، وَابْن مَرْيَم مِنْ الْمَالِكِيَّة عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَهُ لِظَاهِرِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَحَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتهُ» قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ فَرْض كِفَايَة.
قَالَ: وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء كَرَدِّ السَّلَام.
وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَآخَرِينَ أَنَّهُ سُنَّة وَأَدَب، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيث عَنْ النَّدْب وَالْأَدَب كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يَغْتَسِل فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام» قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْحَمْد وَالرَّدّ، وَاخْتَلَفَتْ فيه الْآثَار، فَقِيلَ: يَقُول: الْحَمْد لِلَّهِ.
وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال، وَقَالَ اِبْن جَرِير: هُوَ مُخَيَّر بَيْن هَذَا كُلّه، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُور بِالْحَمْدِ لِلَّهِ.
وَأَمَّا لَفْظ (التَّشْمِيت) فَقِيلَ: يَقُول: يَرْحَمك اللَّه، وَقِيلَ، يَقُول: الْحَمْد لِلَّهِ يَرْحَمك اللَّه، وَقِيلَ: يَقُول: يَرْحَمنَا اللَّه وَإِيَّاكُمْ.
قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي رَدّ الْعَاطِس عَلَى الْمُشَمِّت، فَقِيلَ: يَقُول: يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ، وَقِيلَ: يَقُول: يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ: يُخَيَّر بَيْن هَذَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيث بِهِمَا.
قَالَ: وَلَوْ تَكَرَّرَ الْعُطَاس قَالَ مَالِك: يُشَمِّتهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْكُت.
✯✯✯✯✯✯
5308- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَخَلْت عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْت اِبْنه الْفَضْل بْن عَبَّاس» هَذِهِ الْبِنْت هِيَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت الْفَضْل بْنِ عَبَّاس اِمْرَأَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، تَزَوَّجَهَا بَعْد فِرَاق الْحَسَن بْن عَلِيّ لَهَا، وَوَلَدَتْ لِأَبِي مُوسَى، وَمَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْده عِمْرَان بْن طَلْحَة، فَفَارَقَهَا، وَمَاتَتْ بِالْكُوفَةِ، وَدُفِنَتْ بِظَاهِرِهَا.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدكُمْ فَحَمِدَ اللَّه فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَد اللَّه فَلَا تُشَمِّتُوهُ» هَذَا تَصْرِيح بِالْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ إِذَا حَمِدَ الْعَاطِس، وَتَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ تَشْمِيته إِذَا لَمْ يَحْمَدهُ فَيُكْرَه تَشْمِيته إِذَا لَمْ يَحْمَد، فَلَوْ حَمِدَ وَلَمْ يَسْمَعهُ الْإِنْسَان لَمْ يُشَمِّتهُ.
وَقَالَ مَالِك: لَا يُشَمِّتهُ حَتَّى يَسْمَع حَمْده.
قَالَ: فَإِنْ رَأَيْت مِنْ يَلِيه شَمَّتَهُ فَشَمِّتْهُ.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ بَعْض شُيُوخنَا: وَإِنَّمَا أُمِرَ الْعَاطِس بِالْحَمْدِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَة بِخُرُوجِ مَا اِخْتَنَقَ فِي دِمَاغه مِنْ الْأَبْخِرَة.
✯✯✯✯✯✯
5310- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «التَّثَاؤُب مِنْ الشَّيْطَان» أَيْ مِنْ كَسَله وَتَسَبُّبه، وَقِيلَ: أُضِيفَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُرْضِيه.
وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبّ الْعُطَاس، وَيَكْرَه التَّثَاؤُب» قَالُوا: لِأَنَّ الْعُطَاس يَدُلّ عَلَى النَّشَاط وَخِفَّة الْبَدَن، وَالتَّثَاؤُب بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ يَكُون غَالِبًا مَعَ ثِقَل الْبَدَن وَامْتِلَائِهِ، وَاسْتِرْخَائِهِ وَمَيْله إِلَى الْكَسَل.
وَإِضَافَته إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات.
وَالْمُرَاد التَّحْذِير مِنْ السَّبَب الَّذِي يَتَوَلَّد مِنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمَأْكَل وَإِكْثَار الْأَكْل.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّثَاؤُب مَمْدُود.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اِسْتَطَاعَ» وَوَقَعَ هَاهُنَا فِي بَعْض النُّسَخ (تَثَاءَبَ) بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا، وَفِي أَكْثَرهَا (تَثَاوَبَ) بِالْوَاوِ، كَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَات الثَّلَاث بَعْد هَذِهِ (تَثَاوَبَ) بِالْوَاوِ.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ ثَابِت: وَلَا يُقَال (تَثَاءَبَ) بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا، بَلْ (تَثَأَّبَ) بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَة.
قَالَ اِبْن دُرَيْد: أَصْله مِنْ تَثَأَّبَ الرَّجُل بِالتَّشْدِيدِ، فَهُوَ مُثَوِّب إِذَا اِسْتَرْخَى وَكَسَل، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: يُقَال: تَثَاءَبْت بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا عَلَى تَفَاعَلْت، وَلَا يُقَال: تَثَاوَبْت.
وَأَمَّا الْكَظْم فَهُوَ الْإِمْسَاك.
قَالَ الْعُلَمَاء: أُمِرَ بِكَظْمِ التَّثَاوُب وَرَدّه وَوَضْع الْيَد عَلَى الْفَم لِئَلَّا يَبْلُغ الشَّيْطَان مُرَاده مِنْ تَشْوِيه صُورَته، وَدُخُوله فَمه، وَضَحِكَهُ مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَم.
باب النهي عن هتك الانسان ستر نفسه
باب النهي عن هتك الانسان ستر نفسه
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب الزهد والرقائق ﴿ 9 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞