باب عرض مقعد الميت من الجنة او النار عليه واثبات عذاب القبر والتعوذ منه
باب عرض مقعد الميت من الجنة او النار عليه واثبات عذاب القبر والتعوذ منه
اِعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} الْآيَة وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة فِي مَوَاطِن كَثِيرَة، وَلَا يَمْتَنِع فِي الْعَقْل أَنْ يُعِيد اللَّه تَعَالَى الْحَيَاة فِي جُزْء مِنْ الْجَسَد، وَيُعَذِّبهُ، وَإِذَا لَمْ يَمْنَعهُ الْعَقْل وَوَرَدَ الشَّرْع بِهِ وَجَبَ قَبُوله وَاعْتِقَاده، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم هُنَا أَحَادِيث كَثِيرَة فِي إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَسَمَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْت مَنْ يُعَذِّب فيه، وَسَمَاع الْمَوْتَى قَرْع نِعَال دَافِنِيهِمْ، وَكَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْقَلِيب، وَقَوْله: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع مِنْهُمْ»، وَسُؤَال الْمَلَكَيْنِ الْمَيِّت، وَإِقْعَادهمَا إِيَّاهُ، وَجَوَابه لَهُمَا، وَالْفَسْح لَهُ فِي قَبْره، وَعَرْض مَقْعَده عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ، وَسَبَقَ مُعْظَم شَرْح هَذَا فِي كِتَاب الصَّلَاة، وَكِتَاب الْجَنَائِز، وَالْمَقْصُود: أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر كَمَا ذَكَرْنَا خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَمُعْظَم الْمُعْتَزِلَة وَبَعْض الْمُرْجِئَة نَفَوْا ذَلِكَ، ثُمَّ الْمُعَذَّب عِنْد أَهْل السُّنَّة الْجَسَد بِعَيْنِهِ أَوْ بَعْضه بَعْد إِعَادَة الرُّوح إِلَيْهِ أَوْ إِلَى جُزْء مِنْهُ، وَخَالَفَ فيه مُحَمَّد بْن جَرِير وَعَبْد اللَّه بْن كِرَام وَطَائِفَة فَقَالُوا: لَا يُشْتَرَط إِعَادَة الرُّوح، قَالَ أَصْحَابنَا: هَذَا فَاسِد؛ لِأَنَّ الْأَلَم وَالْإِحْسَاس إِنَّمَا يَكُون فِي الْحَيّ، قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ كَوْن الْمَيِّت قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ كَمَا نُشَاهِد فِي الْعَادَة أَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاع أَوْ حِيتَان الْبَحْر أَوْ نَحْو ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُعِيدهُ لِلْحَشْرِ وَهُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى قَادِر عَلَى ذَلِكَ، فَكَذَا يُعِيد الْحَيَاة إِلَى جُزْء مِنْهُ، أَوْ أَجْزَاء، وَإِنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاع وَالْحِيتَان، فَإِنْ قِيلَ فَنَحْنُ نُشَاهِد الْمَيِّت عَلَى حَاله فِي قَبْره، فَكَيْف يُسْأَل وَيُقْعَد وَيُضْرَب بِمَطَارِق مِنْ حَدِيد، وَلَا يَظْهَر لَهُ أَثَر؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْتَنِع، بَلْ لَهُ نَظِير فِي الْعَادَة وَهُوَ النَّائِم، فَإِنَّهُ يَجِد لَذَّة وَآلَامًا لَا نُحِسّ نَحْنُ شَيْئًا مِنْهَا، وَكَذَا يَجِد الْيَقْظَان لَذَّة وَأَلَمًا لِمَا يَسْمَعهُ أَوْ يُفَكِّر فيه وَلَا يُشَاهِد ذَلِكَ جَالِسُوهُ مِنْهُ، وَكَذَا كَانَ جِبْرَائِيل يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُخْبِرهُ بِالْوَحْيِ الْكَرِيم وَلَا يُدْرِكهُ الْحَاضِرُونَ، وَكُلّ هَذَا ظَاهِر جَلِيّ، قَالَ أَصْحَابنَا: وَأَمَّا إِقْعَاده الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُخْتَصًّا بِالْمَقْبُورِ دُون الْمَنْبُوذ، وَمَنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاع وَالْحِيتَان، وَأَمَّا ضَرْبه بِالْمَطَارِقِ فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُوَسَّع لَهُ فِي قَبْره فَيُقْعَد وَيُضْرَب.
وَاَللَّه أَعْلَم.
✯✯✯✯✯✯
5110- قَوْله: «مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك اللَّه» هَذَا تَنْعِيم لِلْمُؤْمِنِ وَتَعْذِيب لِلْكَافِرِ.
✯✯✯✯✯✯
5112- قَوْله: «حَادَتْ بِهِ بَغْلَته» أَيْ: مَالَتْ عَنْ الطَّرِيق وَنَفَرَتْ، وَقَرْع النِّعَال وَخَفْقهَا: هُوَ ضَرْبهَا الْأَرْض، وَصَوْتهَا فيها.
✯✯✯✯✯✯
5115- قَوْله: «مَا كُنْت تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل؟» يَعْنِي بِالرَّجُلِ: النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يَقُولهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَة الَّتِي لَيْسَ فيها تَعْظِيم؛ اِمْتِحَانًا لِلْمَسْئُولِ لِئَلَّا يَتَلَقَّن تَعْظِيمه مِنْ عِبَارَة السَّائِل، ثُمَّ يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا.
قَوْله: «يُفْسَح لَهُ فِي قَبْره وَيُمْلَأ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ» الْخَضِر ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحّهمَا: بِفَتْحِ الْخَاء وَكَسْر الضَّاد، وَالثَّانِي: بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الضَّاد، وَالْأَوَّل أَشْهَر، وَمَعْنَاهُ: تُمْلَأ نِعَمًا غَضَّة نَاعِمَة وَاصِلَة مِنْ خَضِرَة الشَّجَر، هَكَذَا فَسَّرُوهُ، قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا الْفَسْح لَهُ عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّهُ يُرْفَع عَنْ بَصَره مَا يُجَاوِزهُ مِنْ الْحُجُب الْكَثِيفَة بِحَيْثُ لَا تَنَالهُ ظُلْمَة الْقَبْر وَلَا ضِيقه إِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ رُوحه، قَالَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى ضَرْب الْمَثَل وَالِاسْتِعَارَة لِلرَّحْمَةِ وَالنَّعِيم، كَمَا يُقَال: سَقَى اللَّه قَبْره، وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل أَصَحّ.
وَاَللَّه أَعْلَم.
✯✯✯✯✯✯
5119- قَوْله فِي رُوح الْمُؤْمِن: «ثُمَّ يَقُول اِنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِر الْأَجَل، ثُمَّ قَالَ فِي رُوح الْكَافِر فَيُقَال: اِنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِر الْأَجَل» قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ: اِنْطَلِقُوا بِرُوحِ الْمُؤْمِن إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى، وَالْمُرَاد بِالثَّانِي اِنْطَلِقُوا بِرُوحِ الْكَافِر إِلَى سِجِّين، فَهِيَ مُنْتَهَى الْأَجَل، وَيُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد إِلَى اِنْقِضَاء أَجَل الدُّنْيَا.
قَوْله: «فَرَدَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَة كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفه» الرَّيْطَة بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الْيَاء وَهُوَ ثَوْب رَقِيق، وَقِيلَ: هِيَ الْمُلَاءَة، وَكَانَ سَبَب رَدّهَا عَلَى الْأَنْف بِسَبَبِ مَا ذَكَرَ مِنْ نَتْن رِيح رُوح الْكَافِر.
✯✯✯✯✯✯
5120- قَوْله: «حَدِيد الْبَصَر» بِالْحَاءِ، أَيْ: نَافِذه، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَبَصَرك الْيَوْم حَدِيد}.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا مَصْرَع فُلَان غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه» إِلَى آخِره، هَذَا مِنْ مُعْجِزَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّاهِرَة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى بَدْر: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ» قَالَ الْمَازِرِيّ: قَالَ بَعْض النَّاس: الْمَيِّت يَسْمَع عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث، ثُمَّ أَنْكَرَهُ الْمَازِرِيّ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا خَاصّ فِي هَؤُلَاءِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَقَالَ: يُحْمَل سَمَاعهمْ عَلَى مَا يُحْمَل عَلَيْهِ سَمَاع الْمَوْتَى فِي أَحَادِيث عَذَاب الْقَبْر وَفِتْنَته، الَّتِي لَا مَدْفَع لَهَا، وَذَلِكَ بِإِحْيَائِهِمْ أَوْ إِحْيَاء جُزْء مِنْهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ وَيَسْمَعُونَ فِي الْوَقْت الَّذِي يُرِيد اللَّه، هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَهُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار الَّذِي يَقْتَضِيه أَحَادِيث السَّلَام عَلَى الْقُبُور.
وَاَللَّه أَعْلَم.
✯✯✯✯✯✯
5121- قَوْله: «يَا رَسُول اللَّه كَيْف يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟» هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة: «كَيْف يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا» مِنْ غَيْر نُون، وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَة الِاسْتِعْمَال، وَسَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات، وَمِنْهَا: الْحَدِيث السَّابِق فِي كِتَاب الْإِيمَان: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا»، وَقَوْله: «جَيَّفُوا» أَيْ: أَنْتَنُوا وَصَارُوا جِيَفًا، يُقَال: جَيَّفَ الْمَيِّت وَجَافَ وَأَجَافَ وَأَرْوَحَ وَأَنْتَنَ بِمَعْنًى.
قَوْله: «فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيب بَدْر» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «فِي طَوِيّ مِنْ أَطْوَاء بَدْر» الْقَلِيب وَالطَّوِيّ بِمَعْنًى، وَهِيَ: الْبِئْر الْمَطْوِيَّة بِالْحِجَارَةِ، قَالَ أَصْحَابنَا: وَهَذَا السَّحْب إِلَى الْقَلِيب لَيْسَ دَفْنًا لَهُمْ، وَلَا صِيَانَة وَحُرْمَة، بَلْ لِدَفْعِ رَائِحَتهمْ الْمُؤْذِيَة.
وَاَللَّه أَعْلَم.
باب عرض مقعد الميت من الجنة او النار عليه واثبات عذاب القبر والتعوذ منه
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ﴿ 17 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞