باب بر الوالدين وانهما احق به
باب بر الوالدين وانهما احق به
:4621- قَوْله: «مَنْ أَحَقُّ النَّاس بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمّك إِلَى آخِره»: الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد بِمَعْنَى الصُّحْبَة.
وَفيه الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ، وَشَفَقَتهَا، وَخِدْمَتهَا، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله، ثُمَّ وَضْعه، ثُمَّ إِرْضَاعه، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه، وَغَيْر ذَلِكَ.
وَنَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأُمّ تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْجُمْهُور بِتَفْضِيلِهَا، وَقَالَ بَعْضهمْ: يَكُون بِرّهمَا سَوَاء.
وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَة فِي الْبِرّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا.
قَالَ: وَتَرَدَّدَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَجْدَاد وَالْإِخْوَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ، ثُمَّ الْأَب، ثُمَّ الْأَوْلَاد، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّات، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب، وَيُقَدَّم مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ بِذِي الرَّحِم غَيْر الْمَحْرَم كَابْنِ الْعَمّ وَبِنْته، وَأَوْلَاد الْأَخْوَال وَالْخَالَات وَغَيْرهمْ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ، ثُمَّ بِالْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَل، ثُمَّ الْجَار، وَيُقَدَّم الْقَرِيب الْبَعِيد الدَّار عَلَى الْجَار، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَرِيب فِي بَلَد آخَر قُدِّمَ عَلَى الْجَار الْأَجْنَبِيّ، وَأَلْحَقُوا الزَّوْج وَالزَّوْجَة بِالْمَحَارِمِ وَاَللَّه أَعْلَم.
✯✯✯✯✯✯
4622- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ وَأَبِيك لَتُنَبَّأَن» قَدْ سَبَقَ الْجَوَاب مَرَّات عَنْ مِثْل هَذَا، وَأَنَّهُ لَا تُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْقَسَم، بَلْ هِيَ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ.
✯✯✯✯✯✯
4623- قَوْله: «جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفيهمَا فَجَاهِدْ» وَفِي رِوَايَة: «أُبَايِعك عَلَى الْهِجْرَة وَالْجِهَاد أَبْتَغِي الْأَجْر مِنْ اللَّه تَعَالَى قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتهمَا» هَذَا كُلّه دَلِيل لِعِظَمِ فَضِيلَة بِرّهمَا، وَأَنَّهُ آكَد مِنْ الْجِهَاد، وَفيه حُجَّة لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجِهَاد إِلَّا بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ بِإِذْنِ الْمُسْلِم مِنْهُمَا.
فَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ لَمْ يُشْتَرَط إِذْنهمَا عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَشَرَطَهُ الثَّوْرِيّ.
هَذَا كُلّه إِذَا لَمْ يَحْضُر الصَّفّ وَيَتَعَيَّن الْقِتَال، وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَجُوز بِغَيْرِ إِذْن.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الْأَمْر بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ عُقُوقهمَا حَرَام مِنْ الْكَبَائِر، وَسَبَقَ بَيَانه مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْإِيمَان.
✯✯✯✯✯✯
4624- سبق شرحه بالباب.
باب بر الوالدين وانهما احق به
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب البر والصلة والآداب ﴿ 1 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞