باب نزول الفتن كمواقع القطر
باب نزول الفتن كمواقع القطر
5135- قَوْله: إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَفَ عَلَى أُطُم مِنْ آطَام الْمَدِينَة، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِع الْفِتَن خِلَال بُيُوتكُمْ كَمَوَاقِع الْقَطْر» (الْأُطُم) بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالطَّاء هُوَ الْقَصْر وَالْحِصْن، وَجَمْعه آطَام.
وَمَعْنَى (أَشْرَفَ) عَلَا وَارْتَفَعَ وَالتَّشْبِيه بِمَوَاقِع الْقَطْر فِي الْكَثْرَة وَالْعُمُوم، أَيْ إِنَّهَا كَثِيرَة، وَتَعُمّ النَّاس لَا تَخْتَصّ بِهَا طَائِفَة، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْحُرُوب الْجَارِيَة بَيْنهمْ، كَوَقْعَةِ الْجَمَل، وَصِفِّين، وَالْحَرَّة، وَمَقْتَل عُثْمَان، وَمَقْتَل الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، وَغَيْر ذَلِكَ وَفيه مُعْجِزَة ظَاهِرَة لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
✯✯✯✯✯✯
5136- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَكُونُ فِتَن الْقَاعِد فيها خَيْر مِنْ الْقَائِم، وَالْقَائِم فيها خَيْر مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فيها خَيْر مِنْ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفهُ، وَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأ فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ» وَفِي رِوَايَة: «سَتَكُونُ فِتْنَة النَّائِم فيها خَيْر مِنْ الْيَقْظَان، وَالْيَقْظَان فيها خَيْر مِنْ الْقَائِم» أَمَّا (تَشَرَّفَ) فَرُوِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: أَحَدهمَا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فَوْق وَالشِّين وَالرَّاء، وَالثَّانِي يُشْرِف بِضَمِّ الْيَاء وَإِسْكَان الشِّين وَكَسْر الرَّاء، وَهُوَ مِنْ الْإِشْرَاف لِلشَّيْءِ، وَهُوَ الِانْتِصَاب وَالتَّطَلُّع إِلَيْهِ وَالتَّعَرُّض لَهُ.
وَمَعْنَى (تَسْتَشْرِفهُ) تَقْلِبهُ وَتَصْرَعهُ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْإِشْرَاف بِمَعْنَى الْإِشْفَاء عَلَى الْهَلَاك، وَمِنْهُ أَشْفَى الْمَرِيض عَلَى الْمَوْت وَأَشْرَفَ.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأ» أَيْ عَاصِمًا وَمَوْضِعًا يَلْتَجِئ إِلَيْهِ وَيَعْتَزِل، فَلْيَعُذْ بِهِ أَيْ: فَلْيَعْتَزِلْ فيه.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَاعِد فيها خَيْر مِنْ الْقَائِم» إِلَى آخِره، فَمَعْنَاهُ بَيَان عَظِيم خَطَرهَا.
وَالْحَثّ عَلَى تَجَنُّبهَا وَالْهَرَب مِنْهَا، وَمِنْ التَّشَبُّث فِي شَيْء، وَأَنَّ شَرّهَا وَفِتْنَتهَا يَكُون عَلَى حَسَب التَّعَلُّق بِهَا.
✯✯✯✯✯✯
5138- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَعْمِد إِلَى سَيْفه فَيَدُقّ عَلَى حَدّه بِحَجَرٍ» قِيلَ: الْمُرَاد كَسْر السَّيْف حَقِيقَة عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث؛ لِيَسُدّ عَلَى نَفْسه بَاب هَذَا الْقِتَال، وَقِيلَ: هُوَ مَجَاز، وَالْمُرَاد تَرْك الْقِتَال، وَالْأَوَّل أَصَحّ.
وَهَذَا الْحَدِيث وَالْأَحَادِيث قَبْله وَبَعْده مِمَّا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْقِتَال فِي الْفِتْنَة بِكُلِّ حَال.
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قِتَال الْفِتْنَة، فَقَالَتْ طَائِفَة: لَا يُقَاتِل فِي فِتَن الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْته، وَطَلَبُوا قَتْله، فَلَا يَجُوز لَهُ الْمُدَافَعَة عَنْ نَفْسه؛ لِأَنَّ الطَّالِب مُتَأَوِّل، وَهَذَا مَذْهَب أَبِي بَكْرَة الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَغَيْره.
وَقَالَ اِبْن عُمَر وَعِمْرَان بْن الْحُصَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَغَيْرهمَا: لَا يَدْخُل فيها، لَكِنْ إِنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسه.
فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْك الدُّخُول فِي جَمِيع فِتَن الْإِسْلَام.
وَقَالَ مُعْظَم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام: يَجِب نَصْر الْمُحِقّ فِي الْفِتَن، وَالْقِيَام مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} الْآيَة.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَتُتَأَوَّل الْأَحَادِيث عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ الْحَقّ، أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَاد، وَاسْتَطَالَ أَهْل الْبَغْي وَالْمُبْطِلُونَ.
وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: «أَرَأَيْت إِنْ أُكْرِهْت حَتَّى يُنْطَلَق بِي إِلَى أَحَد الصَّفَّيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُل بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيء سَهْم فَيَقْتُلنِي؟ قَالَ يَبُوء بِإِثْمِهِ وَإِثْمك، وَيَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار» مَعْنَى (يَبُوء بِهِ) يَلْزَمهُ، وَيَرْجِع، وَيَحْتَمِلهُ أَيْ يَبُوء الَّذِي أَكْرَهَك بِإِثْمِهِ فِي إِكْرَاهك، وَفِي دُخُوله فِي الْفِتْنَة، وَبِإِثْمِك فِي قَتْلك غَيْره، وَيَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار، أَيْ مُسْتَحِقًّا لَهَا.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث رَفْع الْإِثْم عَنْ الْمُكْرَه عَلَى الْحُضُور هُنَاكَ.
وَأَمَّا الْقَتْل فَلَا يُبَاح بِالْإِكْرَاهِ بَلْ يَأْثَم الْمُكْرَه عَلَى الْمَأْمُور بِهِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْره فيه الْإِجْمَاع قَالَ أَصْحَابنَا: وَكَذَا الْإِكْرَاه عَلَى الزِّنَا، لَا يُرْفَع الْإِثْم فيه.
هَذَا إِذَا أُكْرِهَتْ الْمَرْأَة حَتَّى مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسهَا.
فَأَمَّا إِذَا رُبِطَتْ، وَلَمْ يُمْكِنهَا مُدَافَعَته، فَلَا إِثْم.
وَاَللَّه أَعْلَم.
باب نزول الفتن كمواقع القطر
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب الفتن وأشراط الساعة ﴿ 3 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞