باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا اهل الجنة واهل النار
باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا اهل الجنة واهل النار
5109- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلّ مَال نَحَلْته عَبْدًا حَلَال» مَعْنَى (نَحَلْته) أَعْطَيْته، وَفِي الْكَلَام حَذْف، أَيْ: قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ مَال أَعْطَيْته عَبْدًا مِنْ عِبَادِي فَهُوَ لَهُ حَلَال، وَالْمُرَاد إِنْكَار مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْ السَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْبَحِيرَة وَالْحَامِي وَغَيْر ذَلِكَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِمْ، وَكُلّ مَال مَلَكَهُ الْعَبْد فَهُوَ لَهُ حَلَال، حَتَّى يَتَعَلَّق بِهِ حَقّ.
قَوْله تَعَالَى: «وَإِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ» أَيْ: مُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: طَاهِرِينَ مِنْ الْمَعَاصِي، وَقِيلَ: مُسْتَقِيمِينَ مُنِيبِينَ لِقَبُولِ الْهِدَايَة، وَقِيلَ: الْمُرَاد حِين أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْد فِي الذَّرّ، وَقَالَ: {أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}.
قَوْله تَعَالَى: «وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينهمْ» هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا (فَاجْتَالَتْهُمْ) بِالْجِيمِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ، وَعَنْ رِوَايَة الْحَافِظ أَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ (فَاخْتَالَتْهُمْ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
قَالَ: وَالْأَوَّل أَصَحّ وَأَوْضَح، أَيْ: اِسْتَخَفُّوهُمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ وَأَزَالُوهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَجَالُوا مَعَهُمْ فِي الْبَاطِل، كَذَا فَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَقَالَ شَمِر: اِجْتَالَ الرَّجُل الشَّيْء ذَهَبَ بِهِ، وَاجْتَالَ أَمْوَالهمْ سَاقَهَا، وَذَهَبَ بِهَا، قَالَ الْقَاضِي: وَمَعْنَى: «فَاخْتَالُوهُمْ» بِالْخَاءِ عَلَى رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ، أَيْ: يَحْبِسُونَهُمْ عَنْ دِينهمْ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْهُ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى نَظَرَ إِلَى أَهْل الْأَرْض فَمَقَتَهُمْ عَرَبهمْ وَعَجَمهمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب» الْمَقْت: أَشَدّ الْبُغْض، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْمَقْت وَالنَّظَر مَا قَبْل بَعْثَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بِبَقَايَا أَهْل الْكِتَاب الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّك بِدِينِهِمْ الْحَقّ مِنْ غَيْر تَبْدِيل.
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى: «إِنَّمَا بَعَثْتُك لِأَبْتَلِيَك وَأَبْتَلِي بِك» مَعْنَاهُ: لِأَمْتَحِنك بِمَا يَظْهَر مِنْك مِنْ قِيَامك بِمَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ تَبْلِيغ الرِّسَالَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْجِهَاد فِي اللَّه حَقّ جِهَاده، وَالصَّبْر فِي اللَّه تَعَالَى وَغَيْر ذَلِكَ، وَأَبْتَلِي بِك مَنْ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِر إِيمَانه، وَيُخْلِص فِي طَاعَاته، وَمَنْ يَتَخَلَّف، وَيَتَأَبَّد بِالْعَدَاوَةِ وَالْكُفْر، وَمَنْ يُنَافِق، وَالْمُرَاد أَنْ يَمْتَحِنهُ لِيَصِيرَ ذَلِكَ وَاقِعًا بَارِزًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا يُعَاقِب الْعِبَاد عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ، لَا عَلَى مَا يَعْلَمهُ قَبْل وُقُوعه، وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانه عَالِم بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء قَبْل وُقُوعهَا، وَهَذَا نَحْو قَوْله: {ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} أَيْ: نَعْلَمهُمْ فَاعِلِينَ ذَلِكَ مُتَّصِفِينَ بِهِ.
قَوْله تَعَالَى: «وَأَنْزَلْت عَلَيْك كِتَابًا لَا يَغْسِلهُ الْمَاء تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَان» أَمَّا قَوْله تَعَالَى: «لَا يَغْسِلهُ الْمَاء» فَمَعْنَاهُ: مَحْفُوظ فِي الصُّدُور، لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ الذَّهَاب، بَلْ يَبْقَى عَلَى مَرّ الْأَزْمَان.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: «تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَان» فَقَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ يَكُون مَحْفُوظًا لَك فِي حَالَتَيْ النَّوْم وَالْيَقَظَة، وَقِيلَ: تَقْرَأهُ فِي يُسْر وَسُهُولَة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقُلْت: رَبّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَة» هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة، أَيْ: يَشْدَخُوهُ وَيَشُجُّوهُ، كَمَا يُشْدَخ الْخُبْز، أَيْ: يُكْسَر.
قَوْله تَعَالَى: «وَاغْزُهُمْ نُغْزِك» بِضَمِّ النُّون، أَيْ: نُعِينك.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَهْل الْجَنَّة ثَلَاثَة ذُو سُلْطَان مُقْسِط مُتَصَدِّق مُوَفَّق، وَرَجُل رَحِيم رَقِيق الْقَلْب لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِم وَعَفِيف مُتَعَفِّف» فَقَوْله: (وَمُسْلِم) مَجْرُور مَعْطُوف عَلَى ذِي قُرْبَى، وَقَوْله: (مُقْسِط) أَيْ: عَادِل.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّعِيف الَّذِي لَا زَبْر لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا» فَقَوْله: (زَبْر) بِفَتْحِ الزَّاي وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة أَيْ: لَا عَقْل لَهُ يَزْبُرهُ وَيَمْنَعهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ، وَقِيلَ: الَّذِي لَيْسَ عِنْده مَا يَعْتَمِدهُ، وَقَوْله: (لَا يَتْبَعُونَ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة مُخَفَّف وَمُشَدَّد مِنْ الِاتِّبَاع، وَفِي بَعْض النُّسَخ (يَبْتَغُونَ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة، أَيْ: لَا يَطْلُبُونَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالْخَائِن الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَع وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ» مَعْنَى (لَا يَخْفَى) لَا يَظْهَر، قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: خَفَيْت الشَّيْء إِذَا أَظْهَرْته، وَأَخْفَيْته إِذَا سَتَرْته وَكَتَمْته، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ فيهمَا جَمِيعًا.
قَوْله: (وَذَكَرَ الْبُخْل وَالْكَذِب) هِيَ فِي أَكْثَر النُّسَخ (أَوْ الْكَذِب) بِأَوْ، وَفِي بَعْضهَا (وَالْكَذِب) بِالْوَاوِ، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور فِي نُسَخ بِلَادنَا، وَقَالَ الْقَاضِي: رِوَايَتنَا عَنْ جَمِيع شُيُوخنَا بِالْوَاوِ، إِلَّا اِبْن أَبِي جَعْفَر عَنْ الطَّبَرِيّ فَبِأَوْ، وَقَالَ بَعْض الشُّيُوخ، وَلَعَلَّهُ الصَّوَاب، وَبِهِ تَكُون الْمَذْكُورَات خَمْسَة، وَأَمَّا (الشِّنْظِير) فَبِكَسْرِ الشِّين وَالظَّاء الْمُعْجَمَتَيْنِ وَإِسْكَان النُّون بَيْنهمَا، وَفَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ الْفَحَّاش وَهُوَ السَّيِّئ الْخُلُق.
قَوْله: «فَيَكُون ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْد اللَّه؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّه لَقَدْ أَدْرَكْتهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة» إِلَى آخِره، (أَبُو عَبْد اللَّه) هُوَ: مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه، وَالْقَائِل لَهُ قَتَادَة، وَقَوْله: (لَقَدْ أَدْرَكْتهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة) لَعَلَّهُ يُرِيد أَوَاخِر أَمْرهمْ، وَآثَار الْجَاهِلِيَّة وَإِلَّا فَمُطَرِّف صَغِير عَنْ إِدْرَاك زَمَن الْجَاهِلِيَّة حَقِيقَة وَهُوَ يَعْقِل.
باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا اهل الجنة واهل النار
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ﴿ 16 ﴾
۞۞
۞۞۞۞۞۞