باب ما يقول عند النوم واخذ المضجع
باب ما يقول عند النوم واخذ المضجع
4884- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث الْبَرَاء: «إِذَا أَخَذْت مَضْجَعك فَتَوَضَّأْ وُضُوءُك لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اِضْطَجَعَ عَلَى شِقّك الْأَيْمَن، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْت وَجْهِي إِلَيْك إِلَى آخِره» فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَخَذْت مَضْجَعك» مَعْنَاهُ: إِذَا أَرَدْت النَّوْم فِي مَضْجَعك، فَتَوَضَّأْ وَالْمَضْجَع: بِفَتْحِ الْمِيم.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: ثَلَاث سُنَن مُهِمَّة مُسْتَحَبَّة، لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ: إِحْدَاهَا: الْوُضُوء عِنْد إِرَادَة النَّوْم، فَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا كَفَاهُ ذَلِكَ الْوُضُوء؛ لِأَنَّ الْمَقْصُود النَّوْم عَلَى طَهَارَة؛ مَخَافَة أَنْ يَمُوت فِي لَيْلَته، وَلِيَكُونَ أَصْدَق لِرُؤْيَاهُ، وَأَبْعَد مِنْ تَلَعُّب الشَّيْطَان بِهِ فِي مَنَامه، وَتَرْوِيعه إِيَّاهُ.
الثَّانِيَة النَّوْم عَلَى الشِّقّ الْأَيْمَن لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبّ التَّيَامُن، وَلِأَنَّهُ أَسْرَع إِلَى الِانْتِبَاه.
وَالثَّالِثَة: ذِكْر اللَّه تَعَالَى لِيَكُونَ خَاتِمَة عَمَله.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْت وَجْهِي إِلَيْك» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «أَسْلَمْت نَفْسِي إِلَيْك» أَيْ: اِسْتَسْلَمْت وَجَعَلْت نَفْسِي مُنْقَادَة لَك طَائِعَة لِحُكْمِك.
قَالَ الْعُلَمَاء: الْوَجْه وَالنَّفْس هُنَا بِمَعْنَى الذَّات كُلّهَا، يُقَال: سَلَّمَ وَأَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى.
وَمَعْنَى: «أَلْجَأْت ظَهْرِي إِلَيْك» أَيْ: تَوَكَّلْت عَلَيْك، وَاعْتَمَدْتُك فِي أَمْرِي كُلّه، كَمَا يَعْتَمِد الْإِنْسَان بِظَهْرِهِ إِلَى مَا يُسْنِدهُ.
وَقَوْله: «رَغْبَة وَرَهْبَة» أَيْ: طَمَعًا فِي ثَوَابك، وَخَوْفًا مِنْ عَذَابك.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُتّ عَلَى الْفِطْرَة» أَيْ: الْإِسْلَام، «وَإِنْ أَصْبَحْت أَصَبْت خَيْر» أَيْ: حَصَلَ لَك ثَوَاب هَذِهِ السُّنَن، وَاهْتِمَامك بِالْخَيْرِ، وَمُتَابَعَتك أَمْر اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله: «فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرهُنَّ، فَقُلْت: آمَنْت بِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت، قَالَ: قُلْ آمَنْت بِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت» اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي سَبَب إِنْكَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَدّه اللَّفْظ، فَقِيلَ: إِنَّمَا رَدَّهُ لِأَنَّ قَوْله: «آمَنْت بِرَسُولِك» يَحْتَمِل غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظ، وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْره أَنَّ سَبَب الْإِنْكَار أَنَّ هَذَا ذِكْر وَدُعَاء، فَيَنْبَغِي فيه الِاقْتِصَار عَلَى اللَّفْظ الْوَارِد بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ يَتَعَلَّق الْجَزَاء بِتِلْكَ الْحُرُوف، وَلَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَات، فَيَتَعَيَّن أَدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا، وَهَذَا الْقَوْل حَسَن، وَقِيلَ: لِأَنَّ قَوْله: «وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت» فيه جَزَالَة مِنْ حَيْثُ صَنْعَة الْكَلَام، وَفيه جَمْع النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة، فَإِذَا قَالَ رَسُولك الَّذِي أَرْسَلْت، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْر مَعَ مَا فيه مِنْ تَكْرِير لَفْظ (رَسُول وَأَرْسَلْت) أَهْل الْبَلَاغَة يَعِيبُونَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّل شَرْح خُطْبَة هَذَا الْكِتَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الرِّسَالَة النُّبُوَّة وَلَا عَكْسه وَاحْتَجَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذَا الْحَدِيث لِمَنْعِ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، وَجُمْهُورهمْ عَلَى جَوَازهَا مِنْ الْعَارِف، وَيُجِيبُونَ عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ الْمَعْنَى هُنَا مُخْتَلِف وَلَا خِلَاف فِي الْمَنْع إِذَا اِخْتَلَفَ الْمَعْنَى.
✯✯✯✯✯✯
4885- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَوَيْت إِلَى فِرَاشك» أَيْ: اِنْضَمَمْت إِلَيْهِ وَدَخَلْت فيه، كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بَعْد: «إِذَا أَخَذَ مَضْجَعه»، وَقَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر بَعْد هَذَا: «كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه قَالَ: الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا» فَأَمَّا أَوَيْت وَأَوَى إِلَى فِرَاشك فَمَقْصُور، وَأَمَّا قَوْله: «وَآوَانَا» فَمَمْدُود وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْفَصِيح الْمَشْهُور وَحُكِيَ بِالْقَصْرِ فيهمَا، وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات، وَقِيلَ: مَعْنَى آوَانَا هُنَا: رَحِمَنَا.
✯✯✯✯✯✯
4886- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَمُوت وَبِاسْمِك أَحْيَا» قِيلَ: مَعْنَاهُ: بِذِكْرِ اِسْمك أَحْيَا مَا حَيِيت، وَعَلَيْهِ أَمُوت، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: بِك أَحْيَا، أَيْ: أَنْتَ تُحْيِينِي، وَأَنْتَ تُمِيتنِي، وَالِاسْم هُنَا هُوَ الْمُسَمَّى.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُور» الْمُرَاد بِأَمَاتَنَا النَّوْم وَأَمَّا النُّشُور فَهُوَ الْإِحْيَاء لِلْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة، فَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعَادَةِ الْيَقِظَة بَعْد النَّوْم الَّذِي هُوَ كَالْمَوْتِ عَلَى إِثْبَات الْبَعْث بَعْد الْمَوْت، قَالَ الْعُلَمَاء: وَحِكْمَة الدُّعَاء عِنْد إِرَادَة النَّوْم أَنْ تَكُون خَاتِمَة أَعْمَاله كَمَا سَبَقَ، وَحِكْمَته إِذَا أَصْبَحَ أَنْ يَكُون أَوَّل عَمَله بِذِكْرِ التَّوْحِيد وَالْكَلِم الطَّيِّب.
✯✯✯✯✯✯
4887- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ خَلَقْت نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا لَك مَمَاتهَا وَمَحْيَاهَا» أَيْ: حَيَاتهَا وَمَوْتهَا، وَجَمِيع أُمُورهَا لَك، وَبِقُدْرَتِك وَفِي سُلْطَانك.
✯✯✯✯✯✯
4888- قَوْله: «أَعُوذ بِك مِنْ شَرِّ كُلّ شَيْء أَنْتَ آخِذ بِنَاصِيَتِهِ» أَيْ: مِنْ شَرّ كُلّ شَيْء مِنْ الْمَخْلُوقَات؛ لِأَنَّهَا كُلّهَا فِي سُلْطَانه، وَهُوَ آخِذ بِنَوَاصِيهَا.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّل فَلَيْسَ قَبْلك شَيْء، وَأَنْتَ الْآخِر فَلَيْسَ بَعْدك شَيْء، وَأَنْتَ الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء، وَأَنْتَ الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء اِقْضِ عَنَّا الدَّيْن» يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالدَّيْنِ هُنَا حُقُوق اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق الْعِبَاد كُلّهَا مِنْ جَمِيع الْأَنْوَاع، وَأَمَّا مَعْنَى الظَّاهِر مِنْ أَسْمَاء اللَّه فَقِيلَ: هُوَ مِنْ الظُّهُور بِمَعْنَى الْقَهْر وَالْغَلَبَة، وَكَمَال الْقُدْرَة، وَمِنْهُ ظَهَرَ فُلَان عَلَى فُلَان، وَقِيلَ: الظَّاهِر بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّة، وَالْبَاطِن: الْمُحْتَجِب عَنْ خَلْقه، وَقِيلَ: الْعَالِم بِالْخَفِيَّاتِ.
وَأَمَّا تَسْمِيَته سُبْحَانه بِالْآخِرِ، فَقَالَ الْإِمَام أَبُو بَكْر اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ: مَعْنَاهُ الْبَاقِي بِصِفَاتِهِ مِنْ الْعِلْم وَالْقُدْرَة وَغَيْرهمَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَزَل، وَيَكُون كَذَلِكَ بَعْد مَوْت الْخَلَائِق، وَذَهَاب عُلُومهمْ وَقَدَرهمْ وَحَوَاسّهمْ، وَتَفَرُّق أَجْسَامهمْ، قَالَ: وَتَعَلَّقَتْ الْمُعْتَزِلَة بِهَذَا الِاسْم، فَاحْتَجُّوا بِهِ لِمَذْهَبِهِمْ فِي فِنَاء الْأَجْسَام وَذَهَابها بِالْكُلِّيَّةِ، قَالُوا: وَمَعْنَاهُ الْبَاقِي بَعْد فَنَاء خَلْقه، وَمَذْهَب أَهْل الْحَقّ خِلَاف ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُرَاد الْآخِر بِصِفَاتِهِ بَعْد ذَهَاب صِفَاتهمْ، وَلِهَذَا يُقَال: آخِر مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي فُلَان فُلَان، يُرَاد حَيَاته، وَلَا يُرَاد فَنَاء أَجْسَام مَوْتَاهُمْ وَعَدَمهَا، هَذَا كَلَام اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَوَى أَحَدكُمْ إِلَى فِرَاشه فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَة إِزَاره، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشه، وَلْيُسَمِّ اللَّه تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَم مَا خَلَفَهُ بَعْد عَلَى فِرَاشه» «دَاخِلَة الْإِزَار» طَرَفه، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَنْفُض فِرَاشه قَبْل أَنْ يَدْخُل فيه، لِئَلَّا يَكُون فيه حَيَّة أَوْ عَقْرَب أَوْ غَيْرهمَا مِنْ الْمُؤْذِيَات، وَلْيَنْفُضْ وَيَدُهُ مَسْتُورَة بِطَرَفِ إِزَاره، لِئَلَّا يَحْصُل فِي يَده مَكْرُوه إِنْ كَانَ هُنَاكَ.
✯✯✯✯✯✯
4890- قَوْله: «فَكَمْ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ» أَيْ: لَا رَاحِم وَلَا عَاطِف عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا وَطَن لَهُ وَلَا سَكَن يَأْوِي إِلَيْهِ.
باب ما يقول عند النوم واخذ المضجع
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ﴿ 17 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞